n ا o 3 a O ص
اليف شافاق
روايه
ترجمة: خالد الجبيلي
منشورات الجمل
Twitter: @ketab_n
إليف شافاق: لقيطة إستانبول
Twitter: @ketab_n
إليف شافاق: لقىطة إستانبول»ء رواية - ترجمة: خالد الجييلي Elif Shafak: The Bastard of Istanbul, 2007 © الطبعة الأولی ۲٠١٠۲ كافة حقوق النشر والترجمة والاقتباس محفوظة لمنشورات الجمل»› بغداد - بیروت ۲٠١٠۱۲ تلفون وفاکس: ۳۰٥۹۲۲۰ ٤ ۔ ۰۱ ۔ ۰۰۹٦۱ ص.ب: ٩ ٤۳۸ - ۱۱۲ بیروت - لبنان
© A4I-Kamel Verlag 2012 Postfach 1127 - 71687 Freiberg a. N. Germany www.al-karnel.de E-Mail: alkamel.verlag @ gmail.com
Twitter: @ketab_n
لا يجوز أن تلعني أي شيء يهطل من السماء» حتى لو كان مطراً.
فمهما كان المطر غزيراًء ومهما كانت السماء ملبّدة بالغيوم» أو مهما كان الجليد يكسو سطح الأرض» لا يجوز أن تتلفظي بكلمات نابية لأي الرصيف» وتكاد حركة السير الشديدة الاكتظاظ في الشارع أن تكون قد أصيبت بالشلل. كانت منذفعة بسرعة لتلحق تموعداً تأخرت عليه الآنء فراحت تسب وتلعن بكلمات بذيئة» وتفحَ كالأفعى وهي تطلق اللعنة تلو الأخرى على أحجار الرصيف المكسورة» وكعب حذائها العالي» والرجل الذي يطاردها» وجميع السائقين الذين يطلقون أبواق سياراتهم على نحو سور EE r TS تؤدي إلى انفراج حركة المرور المكتظةء ولا تؤثر عليهاء كما لم تؤثر a U SES a a بخطنها. وهي لا تؤثر كذلك على المطر. . . المطر الصيفي اللعين هذا.
إن المطر معاناة حقيقية هنا. أما في بقاع العالم الأخرى»ء فإن هطول المطر يعتبر في جميع الإحتمالات نعمة للجميع سواء كانوا أشخاصاً أم جماداً - فهو مفيد للمحاصيل» ومفيد للحيوانات والنباتات» وإذا أضيفت
Twitter: @ketab_n
إليه لمسة من الرومانسيةء فهو جيد للعشاق . أما في إستانبولء فليس الأمر كذلك. إذ ليس من الضروري» بالنسبة لناء أن يكون المطر شيئاً يتعلق بالبللء ولا شيئاً يرتبط بتلويث الثياب وتوسيخها وتلطيخها بالطين. وإن كان يعني شيئاًء فهو يعني أن تغضب. إنه عبارة عن وحل وفوضى وغضب. وكأنه لا يوجد لدينا ما يكفينا من هذه الأشياء الثلاثة . والكفاح . فهو يعني أن تكافح باستمرار. فمثل قطط صغيرة ألقي بها في دلو مليء بالماءء نحارب» نحن الملايين العشرة جميعنا»ء معركة عقيمة ضد القطرات . ولا نستطيع أن نقول إننا وحيدون في هذا الصراع» بل تدخل معنا أيضاً في هذه المعركة الشوارع بأسمائها العتيقة المكتوبة على لوحات من الصفيح» وشواهد قبور العديد من الأولياء المتناثرة في كل مكان» وأكوام الزبالة المكدسة في كل زاوية تقريباً» وحفر الأبنية الضخمة التي سرعان ما ستنتصب بنايات حديثة متلألئة » والنوارس. .. إنها تثير غضبنا جميعنا عندما تفتح السماء أبوابها وتبدأ تبصق فوق رؤوسنا.
لكن ما أن تلامس الأرض آخر القطرات» وعندما تجثم قطرات أخرى ترتعش بقلق فوق أوراق الأشجار التي زال عنها الغبار الآنء في تلك اللحظةء عندما لا تكون واثقاً تماما من أن المطر قد توقف أخيرأًء بل ولا يكون المطر نفسه واثقاً من أنه توقف» في تلك الفترة الفاصلة» تصحو السماء وتغدو صافية . ولدقيقة وأاحدة طويلة› تبدو السماء وکأنها تعتذر عن الفوضى التي أحدثتها لنا. ونعودء والقطرات لا تزال عالقة في شعرناء والوحل الرقيتق عالق فى ثنايا بناطليناء والكآبة بادية فى أعينناء نعود ونحدّق في السماء التي أضحت الآن ظلاً لازوردياً أرق وأصفى من أي وقت مضى . ننظر إلى الأعلى» ولا نتمالك أنفسنا إلا أن نبادلها الابتسامة.
أما الآن» فلم يتوقف المطر عن الهطول بغزارة» ولم يكد يتبقى في قلب زليخة أية مشاعر من الصفح والغفران. فهي لم تكن تحمل مظلة»
Twitter: @ketab_n
لأنها ليست بلهاء إلى حد أن تلقي بحفنة من النقود إلى بائع متجول آخر لتشتري مظلة أخرى» ثم تنساها في مكان ما بعد أن تشرق الشمس من جديد» لذلك فهي تستحق أن يبللها الماء حتى العظم. كما أن الآوان قد فات الآن على ذلك . فقد تبللت من قمة رأسها حتى أخمص قدميها. كان هذا هو الشيء المتعلق بالمطر الذي تشبّهه بالحزن: إذ إنك تبذل قصارى ما بوسعك لكي لا يلمسك شيءء وأن تظل سليماً وجافاًء لكنك إذا فشلت» وعندما تفشل» تأتي اللحظة التي تبدأ ترى فيها المشكلةء لا كقطرات» بل كسيل جارف» ولذلك تقزر أن تتبلل حتى العظم .
قطرات المطر تتساقط من ضفائرها السوداء الملقاة على كتفيها العريضين. ومثل جميع نساء عائلة قازانجي» ولدت زليخة بشعر أسود فاحم أجعد» لكنها بخلافهن جميعهن» كانت تحب أن تبقيه هكذا. وكانت بين الحين والآخر تغخمض عينيها الزرقاوين المائلتين إلى اللون الأخضر» اللتين تكونان عادة مفتوحتين على وسعيهماء المتوهجتين بشعلة من الذكاء» تغمضهما نصف إغماضة» فتصبحان مثل خطين لا مباليين يميّزان ثلاث فئات من الناس وهم: السذج الذين لا أمل يرجى منهم» والمنطوون على أنفسهم على نحو يائس» والمفعمون بالأمل بشكل يائس . وبما أنها لا تنتمي إلى أي من هذه الفئات الثلاث› کان يصعب فهم هذه اللامبالاةء حتى لو كانت مثل هذه الومضة الخاطفة. ففى لحظة تكون هناء تغلف روحها طبقة من عدم الإحساس المخدّرء وفي لحظة تاليةء تذهب وتبقی وحدها في جسدها.
هذا هو الشعور الذي كان يتملكها في يوم الجمعة ذاك أول يوم جمعة من شهر تموز» الشعور بأنها فقدت الإحساس وكأنها خدّرت» مزاج يتآكل بقوة غريبة في شخص مفعم بالحيوية مثلها. هل يمكن أن يكون هذا هو السبب الذي جعلها لا تكترث مطلقاً بمواجهة المدينة اليوم» أم أن المطر هو السبب؟ وفيما كانت لامبالاتها المتأرجحة» التي تصعد وتهبط
Twitter: @ketab_n ۷
في إيقاع من تلقاء نفسهاء كان بندول مزاجها يتذبذب بين قطبين متعاكسين : من نقطة التجمّد إلى نقطة الاستشاطة غضباً.
انطلقت زليخة تشق طريقها بين باعة الرصيف الذين يبيعون مظلات ومعاطف واقية من المطر وأغطية للرأس من النايلون بألوان براقة» والذين راحوا یرمقونها باستغراب . تجاهلت نظراتهم» تماما كما تتجاهل نظرات جميع الرجال الذين يحدقون في جسمها بنهم .
وكان الباعة أيضاً يحدقون باستهجان فى حلقة أنفها اللامعةء وكأن وجودها في هذا المكان دليل على انحرافها وابتعادها عن الحشمة» لذلك فهي ليست إلا دليلاً على شبقها. وكانت تتباهى بهذه الحلقة بصورة خاصة لأنها صنعتها بنفسها. فقد آلمتها عماية الثقب» لكنها وضعت هنا لتبقى› وكان هذا هو أسلوبها. ورغم مضايقة الرجال» أو نظرات النساء الأخريات المليئة باللوم والاشمئزازء ورغم استحالة السير فوق بلاطات الرصيف المكسورة» أو القفز فوق العبّارات» بل رغم تذمر أمَها المتواصل. . . لم تكن ثمة قوة على الأرض يمكنها أن تمنع زليخة» أطول معظم النساء في هذه المدينةء من ارتداء تنورات قصيرة ذات ألوان برَّاقة» وبلوزات ضيْمَة تكشف عن صفحة صدرها الممتلئ» وجوربها الساتان» ونعم» وهذا الحذاء ذو الكعب العالي الشاهق .
الآنء وبعد أن وطأت قدماها بلاطة مخلخلة أخرى» وبعد أن رأت بركة الوحل تحتها ترش لطخاً داكنة من الطين على تنورتها بلون الخزامى» أطلقت زليخة العنان لسلسلة طويلة أخرى من اللعنات والشتائم . فقد كانت المرأة الوحيدة في عائلتها كلهاء وواحدة من النساء التركيات القليلات› اللاتي يستخدمن هذه التعابير غير المهذبة بدون تحفظ» وبصوت مرتفع› وبتعمد وعن معرفة؛ لذلك» عندما كانت تلعن وتشتم» كانت تواصل طريقها وكأنها تعض عن جميع الأشياء الأخرى. ولم تكن هذه المرة مختلفة عن سابقتها. ففيما أخذت تجري» راحت زليخة تشتم إدارة
Twitter: @ketab_n
البلدية» في الماضي والحاضرء لأنها منذ أن كانت فتاة صغيرة» لم تشبت أو تصلح هذه البلاطات في الأيام الماطرة. لكنها كانت تتوقّف فجأة» قبل أن تنهي شتائمهاء وترفع ذقنها عالياً وكأنها سمعت أحداً ينادي اسمهاء لكنها بدلاً من أن تتطلع حواليها لترى من يناديهاء كانت تنظر عابسة إلى السماء المليئة بالسحب والدخان. تضيّق عينيهاء وتطلق تنهيدة تنم عن مشاعر مختلطة» ثم تطلق العنان لشتائم أخرى» لكن هذه المرة للمطر. وحسب قواعد جذتها ما - الهيفاء» غير المدونة التي يجب ألا تخرقهاء فإن هذا يعتبر كفراً وتجديفاً صرفاً. قد لا يعجبك المطر» وليس بالضرورة أن بعك لکن مهما انت الظروف: يجب الا تلحثى شيا بزل هن السماء» لأنه لا ينزل شيء من الأعلى من تلقاء نفسه» بل إن الله العلي القدير وراء كل شيء ينزل من الأعلى .
من المؤكد أن زليخة كانت تعرف قواعد الجدَّة ما الهيفاء» غير المدؤنة والتي كان يستحيل خرقهاء لكن في يوم الجمعة هذاء أول يوم جمعة من شهر تموز» خطر لها أن تضرب بهذه القواعد عرض الحائط . فإن ما قيل قد قيل» تماماً كما أن ما تم في الحياة قد تم وولى الآن. لم يكن لدى زليخة الوقت لكي تعبر عن أسفها. فقد تأخرت على موعدها مع الطبيب النسائى. فليست هذه مغامرة تافهة» وخاصة إذا رأيت أنك قد تأاخرت عن موعدك مع الطبيب التسائي» فمن الممكن أن تلغي مود ولا تذهبي على الإطلاق .
فجأة» توقفت بالقرب منها سيارة تاكسي صفراء امتلا رفرافها الخلفي بملصقات كبيرة. وكان السائق» الشديد الس ذو القسمات الفلةء الذي كان له شارب يشبه شارب زاباتا"» وسن أمامية مصنوعة من الذهب» والذي ربما كان يغتصب النساء بعد انتهاء عمله» قد أنزل جميع
(۱) اتر مکسیکي قاد ثورة من أجل الإصلاح الزراعي (۱۸۷۹ ۔ ۱۹۱۹م).
Twitter: @ketab_n ۹
نوافذ السيارة» وانبعث صوت مادونا ملعلعاً وهى تغنى «مثل عذراء» تبثها تقليديته» والموسيقى غير التقليدية التي يستمع إليها. أوقف سيارته فجأة» وسُمع صوت صرير الفرامل» ومد رأسه خارج النافذة» وقال لزليخة وكأنه ينبح بعد أن صمّر لها: «أريد أن آكل بعضاً منه!» لكن زليخة أخرست الكلمات التالية التى كان سيتفوه بها.
«ما خطبك» أيها المعتوه؟ ألا تستطيع أن تمشي امرأة بسلام في هذه المدينة؟».
«لكن لماذا تمشين عندما يمكنك أن ترکبي معي؟ «سألها السائق» ثم أضاف : «من المؤكد أنك لا ترغبين فى أن يتبلل هذا الجسد المثير».
وفيما كانت مادونا تزعق بأعلى صوتها من المذياع؛ بدأ خوفي يتلاشى بسرعة» وأحتفظ به كله لك»» بدأ سيل الشتائم ينطلق من فم زليخة» وبذلك تكون قد خرقت قاعدة غير مدوّنة ويستحيل خرقها مرة أخرى» هذه المرة ليست قاعدة من قواعد جدَتها ما- الهيفاء» بل إحدى قواعد الحصافة الأنثوية . لا تشتمى الشخص الذي يتحرش بك.
القاعدة الذهبية لحصافة المرأة الإستانبولية : عندما يتحرش بك أحد في
الشارع» لا تستجيبي له على الإطلاقء لأن المرآة التي ترذ على المتحرش بهاء ناهيك عن شتمه» ستثیر حفبظته!
كانت زليخة تعرف هذه القاعدة حق المعرفة» وكانت تعلم أنه من الأفضل لها ألا تخرقهاء لكن يوم الجمعة هذاء أول يوم جمعة من شهر تموز لم يكن مثل أيام الجمعة الأخرىء فقد كان ثمة شيء يمور في داخلها الآن» وقد أضحت أكثر اندفاعاً وتهوراً وغضباً على نحو يثير الذعر. فقد كانت زليخة الأخرى هي التي بدأت تشغْل معظم فضائها الداخلي الآنء وهي التي أخذت بزمام أمورهاء وبدأت تتخذ قرارات
Twitter: @ketab_n ٠
بالنيابة عنهما. ولا بد أن هذا هو السبب الذي جعلها تلعن وتشتم بأعلى صوتها. وفيما غطى صوتها على صوت مادوناء تجمْع باعة المظلات والسابلة بدافع الفضول للتعرف على سبب المشكلة الناشبة بين هذه المرأة والسائق. وفي غمرة هذا اللغط والاضطراب» أجفل الشاب الذي كان يلاحقها من خلفهاء وقرر أنه من الأفضل ألا يعبث مع امرأة مجنونة. أما ساق التاكسي» فلم يكن متعقلاً ولا رعديداًء لذلك رحب بكلَّ هذه الجابة بابتسامة عريضة . ولاحظت زليخة أن أسنان هذا الرجل بيضاء ناصعة لا يوجد فيها أي أثر لأي بقعة صفراء» ولم تتمالك نفسها عن التساؤل إن كانت مطلية بمادة خزفية أم لا. وشيئاً فشيئاًء بدأت تشعر مرة أخرى بعودة موجة الأدرينالين تتصاعد في بطنهاء ترغي وتزبد» وتسرَّع من دقات قلبهاء مما جعلتها تشعر بأنهاء ليس كأي امرأة أخرى في عائلتهاء قد تقتل رجلاً ذات يوم .
ومن حسن حظ زليخة» أن صبر سائق سيارة التويوتا الواقفة خلف سيارة التاكسي كان قد عيلء فأطلق العنان لبوق سيارته. وكأنها أفاقت من كابوس» عادت زليخة إلى صوابها وعرتها رجفة من وضعها الصعب . فقد أثار ميلها نحو العنف مخاوفهاء كما كان يحدث معها باستمرار. وما هي إلا لحظة» حتى هدأت» رت جاباة وندات رل شق ا بصعوبة عبر الحشد. وفي عجلتها هذه» علق كعب حذاء زليخة الأيمن تیت اط ما فت ديا مى ام 6 افع ج ف الحجر بغخضب. وعندما تمکنت من سحب قدمها وحذائهاء گسر كعب حذائهاء فتذكرت قاعدة كان ينبغي ألا تنساها في المقام الأول .
قاعدة الحصافة الفضية للمرأة الإستانبولية: عندما بتحرش بك رجل
في الشارع» لا تفقدي أعصابك» لأن المرأة التي تفقد أعصابها أمام المتحرش»› سترد بإفراط» مما سيزيد الأمر سوءاً!
Twitter: @ketab_n ۱۱
ضحك سائق التاكسي» وأخذ بوق سيارة التويوتا الواقفة وراءه يلعلع ثانية» وبدا أن المطر قد بدأ يهطل ثانيةء وآبدى عدد من المشاة انزعاجهم وغضبهم معأ مع أنه يصعب على أي شخص أن يعرف السبب الذي جعلهم یغضبون منه. وفي وسط كل هذه المعمعةء وقعت عين زليخة على ملصق بألوان قوس قزح يتلألأ على ظهر سيارة: لا تقل إني بائس. فللبؤساء قلوب أيضاً. عندما وقفت هناك تحدَّق فى هذه الكلمات» انتابها نا رر ات ال اه راح ای ت اف بل ا أنها لم تكن تعرف المشاكل اليومية التي يواجهها سكان إستانبول» بل كان زمزاً غامضاً صمّمه عقل حالم وكان عليها أن تفك رموزه» لكنها لن تتمکن من حل رموزه. وسرعان ما غابت سيارة التاكسي وسيارة التويوتاء وتفرّق الناس» وذهب كل في حال سبيله» وتركوا زليخة واففة هناك» تمسك كعب حذائها المكسور برقة وقنوط كأنها تحمل طيراً ميتاً.
ربما كانت هناك طيور ميتة تدخل في عالم زليخة الفوضوي» من بين الأشياء الأخرى» إلا أنه من المؤكد لم تكن هناك رقة ولا قنوط» وهما شيئان لا تملك منهما شيئاً. اعتدلت في وقفتها» وجاهدت لتسير بكعب واحد. وسرعان ما أخذت تعد الخطى وسط حشد من الناس يحملون مظلات» وهي تكشف عن ساقيها الرائعتين» وتعرج قليلاً على قدمها مثل نوتة موسيقية شذت عن اللحن. كانت خيطاً من الخزامى» لوناً غير ملائم انسل من بساط جداري کک باللونين البني والرمادي» ومزيد من اللونين البني والرمادي. ومع أن ألوانها كانت متنافرة وغير منسجمة» كأن الحشد مجوفاً مثل كهف يكفي لابتلاع تنافرها وإعادته إلى إيقاعه الطبيعي . ولم يكن الحشد كتلة مؤلفة من مئات الأجساد التي تتنقس وتتعرق وتتألم» بل كان جسداً واحداً يتنس ويتعرَّق ويتألم تحت المطر. ولم يکن من المهم إن كانوا يقفون تحت المطر أم تحت الشمس. فالسير في إستانبول يعني السير جنبا إلى جنب مع سيل جارف من الناس .
Twitter: @ketab_n
عندما مرت زليخة أمام عشرات من صيّادي السمك ذوي القسمات القاسية» الذين كان يصطف أحدهم بجانب الآخر على امتداد جسر غالاتا القديمء يغلفهم الصمت» ويحمل كل منهم مظلَة بيد» وصنارة صيد السمك باليد الأخرىء› حسدتهم على قدرتهم على المكوث هكذا دون أن يأتي أحدهم بحركة» وعلى قدرتهم على انتظار سمك غير موجود أصلاً لساعات طويلة» وإذا خرجت لهم سمكةء فإنها تكون سمكة صغيرة جداً لا تصلح إلا لأن تستخدم طعماً لأسماك أخرى لن يتم اصطيادها. حقاً إنها مقدرة مدهشة أن تعمل كثيراً وتنجز قليلاء أن تعود إلى البيت خاوي الوفاض» ورغم ذلك فإنك تشعر بالرضا في نهاية اليوم! ففي هذا العالم» يولد الصفاء الحظ» والحظ يولد السعادةء أو هكذا كانت تظن زليخة. فالظن كان كل ما بمقدورها أن تفعله في هذا الأمر بالذات» لأنها لم تذق في حياتها ذلك النوع من الصفاءء ؤلم يخْيّل لها أنها تستطيع أن تتذوقه. على الأقل ليس اليوم . بالتأكيد ليس اليوم.
ورغم اندفاعهاء بدأت زليخة تخفف من سرعتها عندما انعطفت إلى البازار الكبير. ورغم عدم توفر متسع من الوقت لديها لكي تتسوق» فقد قررت أن تدخل إلى السوق لإلقاء نظرة سريعة فقط» قالت تؤكد لنفسهاء وأخذت تمسح بعينيها واجهات المحلات. أشعلت سيجارة» وفيما راح الدخان ينبعث من فمها في شكل دوائر» شعرت بالارتياح وبالاسترخاء. ومع أن المرأة التي تدخن في الشارع لا ينظر إليها باحترام كبير في إستانبول» لكن من يكترث بذلك؟ هزت زليخة كتفيها. فالم تشن حرباً على المجتمع كله؟ وعندها بدأت تتحرك باتجاه القسم القديم من البازار.
كان بعض البائعين في البازار لا يعرفون إلا اسمها الأول» وخاصة بائعو المجوهرات . فقد كانت الاكسسوارات التي تشع وتلمع من كل شكل ونوع نقطة ضعفها: دبابيس الشعر الكريستالء ودبابيس الزينة من الماس المقلدء والأقراط البرّاقةء والأوشحة المخططة» والحقائب المصنوعة من
Twitter: @ketab_n ۱۳
الساتان» وشالات الحرير الشفافة» والأحذية ذات الكعوب العالية. وكلما كانت تأتي إلى البازار» كان عليها أن تزور عدداً من المحلات» تساوم البائعين» وتدفع مبلغاً أقل بكثير من المبلغ المعروض لأشياء لم تكن تنوي شرائها أصلاً. أما اليوم» فقد أخذت تتنقل من كشك إلى آخرء وتتفرج على بعض واجهات المحلات. كان هذا كل ما في الأمر .
توقفت زليخة أمام كشك تكدست فيه جرار وقدور وقوارير مليئة بالأعشاب والتوابل من كل نوع ولون. وتذكرت أن إحدى أخواتها الثلاث كانت قد طلبت منها هذا الصباح أن تشتري قليلاً من القرفة» لكنها لم تتذكر أي أخت طلبت ذلك. a يتفقن على أي شيء» وكانت كل واحدة منهن تتمسك برأيها وتؤمن إيماناً جازماً بأنها على حق دائماًء وكانت كل واحدة منهن تؤمن إيماناً راسخاً بأنه لا يوجد شيء يمكنها أن تتعلمه من أخواتها الأخريات» بل لديها الكثير الذي يمكنها أن تعلّمه لهن. كان الأمر بتلك الدرجة من السوء» مثل أن تخسر جائزة اليانصيب الكبرى بسبب اختلاف رقم واحد فقط : فمن أي زاوية تنظر إلى الأمر» لن تستطيع أن تتخلص من الشعور بأنك تتعرض إلى ظلم فادح لا يمكن استدراكه. ومع ذلك اشترت زليخة كمية قليلة من القرفة» لا مسحوق القرفة» بل أعواد القرفة. وعرض عليها البائ كوبا من الشاي وسيجارة وقليلاً من الدردشةء ولم ترفض أياً من ذلك . وفيما كانت جالسة تحادثه» كانت عيناها تطوفان فوق الرفوف بلا مبالاةء إلى أن شاهدتا طقم كؤوس من الشاي» كان أيضاً من بين الأشياء التي لم يكن بوسعها أن تقاوم نفسها ألا تشتريه: كؤوس شاي نقشت عليها نجوم مذهَبة» وملاعق رفيعة رقيقة» وأطباق هشة في وسطها خطوط مذهَبة. لا بد أنه يوجد لديهن في البيت ما لا يقل عن ثلاثين طقماً من كؤوس الشاي من مختلف الأشكال» وكانت هي التي اشترتها جميعها. لكن ما الضير من شراء طقم آخرء لأنها تنكسر بسهولة. «هذه الكؤوس اللعينة هشة وسريعة
Twitter: @ketab_n
الكسر. . ٠. دمدمت زليخة بصوت منخفض . فقد كانت الوحيدة بين نساء عائلة قازانجي التي تستشيط غضباً عندما ينكسر كأس من الشاي . أما الجدة ما - الهيفاء» فات السبحة والسبعين عاماء فكات لها اسلوب
«القد فقثت عين شريرة أخرى!» كانت ما - الهيفاء تصيح في كل مرة ينكسر فيها كأس ويتهشم. «هل سمعتن صوت النحس؟ إنه يتصدع ! أوه» إن صداه يترذد فى قلبى! كانت هذه عين شريرة» غيورة وخبيثة جدا. لها الله جيخا
نا اتکسرک کان أو إا تدعت مراف كانت ما المقاة تطلن تنهيدة تنم عن الارتياح . فبما أنك لا تستطيع أن تقضي على جميع الأشرار على سطح الكرة الأرضية التي تدور بجنون» فمن الأفضل أن ترتطم العين الشريرة بكأس على أن تتغلغل في أعماق أرواح الله البريئة وتدمر حياتها.
وبعد مضي عشرين دقيقة» اندفعت زليخة إلى مكتب أنيق في أحد الأحياء الراقية في المدينة» ممسكة بكعبها المكسور بيد» وبطقم الشاي الجديد باليد الأخرى. وما أن دخلت» حتى اعتراها شعور بالفزع لأنها تذكرت أنها نسيت أعواد القرفة الملفوفة في صرَة في البازار الكبير .
¥¥¥ ¥
كانت هناك ثلاث نساء في غرفة الانتظار» شعر كل منهن مريع› N E ومن الطريقة ة التي كن يجلسن فيهاء لاحظت زليخة على الفورء واستنتجت ت بطريقة ساخرة» أن أصغر النساء بيهن ۽ کانت أكثرهن استرخاء وأقلهن قلقاًء وكان في يدها مجلة نسائية تقلب صفحاتها بتؤدة وبكسل إلى حد أنها لم تكن تقراً المقالات» بل تتفرج على الصور. ورہما جاءت إلى هذه العيادة لتجدد وصفة حبوب منع الحمل . أما المرأة الشقراء المكتنزة» الجالسة بجانب النافذةء فقد كانت
Twitter: @ketab_n
تبدو أنها في بداية الثلاثينيات من عمرهاء وكانت جذور شعرها السوداء تتوسل لأن تصبغ . كانت تهر قدميها بعصبية» وكان من الواضح أن عقلها كان سارحاً في مكان آخرء فلعلها أتت إلى هنا لتجري فحصاً روتينياًء وتؤخذ منها خزعة من عنق رحمهاء الاختبار الذي ينبغي أن تجريه سنوياً. أما المرأة الثالثة التي تضع منديلاً على رأسهاء والتي كانت برفقة زوجهاء فكانت تبدو أقلهن رزانةء إذ تهدلت زاويتا فمهاء وعقدت حاجبيها. وخمّنت زليخة أنها تعاني مشكلة في الحمل. وقذرت زليخة أن هذا الأمر قد يبدو مزعجاًء لكن من الزاوية التي ينظر فيها المرء إلى المسألة. فالبنسبة لهاء لم تكن ترى أن العقم هو أسوأً شيء قد يحدث لأي امرأًة.
«مرحبا» قالت موظفة الاستقبال وهي تزقزق» وقد أرغمت نفسها على أن ترسم ابتسامة مصطنعة حمقاءء لا بد أنها تدربت عليها طويلاً إلى درجة أنها لم تعد تبدو بلهاء أو متصنعة. «هل أنت صاحبة موعد الساعة الثالغة؟» .
يبدو أن موظفة الاستقبال تعاني من صعوبة في نطق حرف الراءء وكما لو أنها كانت تريد أن تخفي ذلك فقد مت صوتها كثيراً ورفعته» وكانت تبتسم ابتسامة أخرى كلما اضطر لسانها إلى لفظ هذا الحرف المشؤوم. ولكي توفر عليها هذا العبء» هزت زليخة رأسها على الفقور» ربما بحماس شدید.
«وما سبب زيارتك بالضبط »› يا آنسة صاحبة موعد الساعة الثالغة؟» .
حاولت زليخة أن تتجاهل سخافة السؤال. فقد عرفت الآن أن هذه البهجة الأنثوية الغامرة وغير المشروطة هي التي تفتقر إليها في الحياة. إذ إا ج اا ات رات ص ب د حرو ااج وتساءلت زليخة كيف تستطيع إحداهن أن تفعل شيئاً غير طبيعي بهذه التلقائية والطبيعية. لكنها تجاهلت السؤال الذي علق فى حواف دماغها وردت : «إجهاض» . ٠
Twitter: @ketab_n
تطايرت الكلمة في الهواءء وانتظر الجميع أن تعود وتتلاشى. ضاقت عينا موظفة الاستقبالء ثم توسعتاء وتلاشت الابتسامة من على وجههاء مما جعل زليخة تشعر بالانزعاج. فقد أظهرت مشاعر الأنشى البهيجة غير المشروطة والشاملة قدرا ضئيلا من الحقد وحب الانتقام لديها. «لدي موعد. . ٠. قالت زليخة» وهي تدس خصلة من الشعر وراء أذنيهاء فيما تركت باقي خصلات شعرها تتسافط حول وجهها وعلى كتفيها مثل برقع أسود سميك. رفعت ذقنهاء فبرز أنفها المعقوف» وشعرت بالحاجة لأن تكرر ما قالته» بصوت أعلى مما كانت تنوي» أو ربما لم تكن تريد أن تفعل ذلك . «لأني يجب أن أجري عملية إجهاض».
وقعت موظفة الاستقبال في حيرة بين أن تسجل المريضة الجديدة بشعور من الحيادء وبين أن ترسل لها نظرة مؤنبة على هذه الجرأة والوقاحة. لبشت في مكانها دون حراك» وكان ملقى أمامها دفتر ملاحظات كبير ذي غلاف جلدي . مرت بضع ثوان قبل أن تبدأ أخيراً في الخربشة على الدفتر. في هذه الأثناء تمتمت زليخة :
«إنى آسفة لأنى تأخرت». فقد أشارت الساعة المعلقة على الحائط إلى أنها تأخرت ستا وأربعين دقيقة» وعندما ثبتت عينيها على الساعة مرة أخرى» بدا أنها قد سرحت بخيالها. «كان ذلك بسبب المطر. .٠..
بطريقة ما لم يكن ما قالته منصفاً للمطرء لأن اكتظاظ وازدحام حركة السير» وبلاطة الرصيف المكسورة» والبلدية» والرجل الذي كان يلاحقهاء وسائ التاكسي» ما عدا توقفها في البازار لتتسوق» يجب أن تتحمل یا لكن زليخة قرّرت ألا تذكر أياً من هذه الأشياء. ولعلها خرقت إحدى القواعد الذهبية من قواعد حصافة المرأة الإستانبولية› بل لعلها انتهكت أيضاً القاعدة الفضية من قواعد حصافة المرأة الإإستانبوليةء لكنها تمسكت بالقاعدة النحاسية.
Twitter: @ketab_n
القاعدة النحاسية لحصافة المرأة الإستانبولية : عندما يتحرش بك أحد في الشارع» فمن الأفضل أن تنسي الحادثة تماماً وأن تواصلي طريقك. لأن تذكر الحادثة طوال اليوم لن يؤدي إلا إلى تدمير أعصابك وإتلافها أكثر !
كانت زليخة من الذكاء بحيث تعرف جيداً أنها حتى لو أثارت موضوع التحرش بها الآنء فلن تجد تأييداً من النساء الأخرياتء وسينحين عليها باللائمة في مثل هذه الحالة. لذلك أجابت باقتضاب شديد» ملقية اللوم على المطر فقط .
«ما عمرك يا آنسة؟» أرادت موظفة الاستقبال أن تعرف .
كان هذا السؤال مزعجاً ولم يكن ثمة داع له. ضيَقَت زليخة عينيها لأن تعذل عينيها لكي تراها بشكل أفضل. وبغتة» تذكرت حقيقة نفسها الحزينة: عمرها. فمثل نساء كثيرات كانت تتصرف بطريقة تتجاوز سنوات عمرهاء وأحست بالانزعاج لأنها كانت أصغر بكثير مما كانت تريد أن کن
ثم قالت معترفة: اعمري تسع عشرة سنة. ما أن انطلقت الكلمات عارية .
«طبعاًء نحتاج إلى موافقة زوجك»» تابعت موظفة الاستقبالء ولم يعد صوتها جذلاًء ولم تضع وقتها في الانتقال مباشرة إلى سؤال آخر» ارتابت في الإجابة عنه. «هل لي أن أسألكِ» هل أنت متزوجة يا آنسة؟» .
من طرف عينهاء لاحظت زليخة أن المرأة الشقراء المكتنزة إلى يمينهاء والمرأة التي تضع منديلاً على رأسها إلى يسارهاء تململتا بانزعاج . وفيما بدأت تشعر بوطأة نظرات جميع من في الغرفة» تحوّل تجهم زليخة إلى ابتسامة مبتهجة. لا لأنها كانت تستمتع باللحظة الملتويةء
Twitter: @ketab_n
بل لأن اللامبالاة في أعماقها هي التي همست لها بأن لا تعر بالا لآراء الآخرين» لأنهم لن يؤثروا عليها في نهاية اليوم. ففي الآونة الأخيرةء كانت قد قررت أن تطهر مفرداتها وتعقمها من بعض الكلمات. وبعد أن تذگرت قرارها هذاء قالت لنفسها لم لا تبدأً بكلمة «عيب» . ومع ذلك لم تكن تشعر بالرغبة في أن تقول بصوت عال ما أصبح جميع من في الغرفة يعرفونه الآن تماماً. فلا يوجد هناك زوج لكي يمنح موافقته على هذا الإجهاض. لا يوجد أب. فبدلا من وجود با ۔ باء لم يكن يوجد سوى عدم .
ومن حسن حظ زليخة» تبين لها أن عدم وجود زوج أمر مفيد في المعاملات الرسمية. إذلم تكن بحاجة للحصول على موافقة خطية من أحد. فالأنظمة البيروقراطية لا تهتم بإنقاذ حياة الأطفال المولودين خارج القفص الزوجي أكثر من اهتمامها بإنقاذ أرواح الأطفال الذين تنجبهم امرأة ورجل من داخل القفص الزوجي . فالطفل الذي لا أب له في إستانبول ليس سوى لقيط آخر» وليس اللقيط إلا ضرساً مخلخلا آخر في فك المدينة يمكن أن يسقط في أي لحظة. ۰
«مكان ولادتك؟) تابعت موظفة الاستقبال بطريقة مملة وكئيبة .
«إستانبول) .
«إستانبول؟» .
هزت زليخة كتفيها وكأنها تقول» وأين يمكنني أن أولد؟ في أي مكان يمكنني أن أولد على وجه الأرض غير هذا المكان؟ فهي تنتمي إلى هذه المدينة! ألا يظهر ذلك على وجهها؟ فبالرغم من كل شيء» تعتبر زليخة نفسها إستانبولية حقيقية» وكما لو أنها كانت تريد أن توبّخ موظفة الاستقبال لأنها لم تر هذا الحقيقة البادية للعيان» استدارت على كعبها المكسور» وارتمت على الكرسي إلى جانب المرأة التي تضع منديلاً على رأسها.
Twitter: @ketab_n ۱۹
وهنا لاحظت زوج هذه المرآة» الذي كان جالساً بهدوء» يكاد يشلّه الشعور بالحرج الشديد. وبدلاً من أن ينحي باللائمة على زليخة» بدا ن الرجل يتقلّب ويتمرّغ بالضيتق وعدم الارتياح لأنه الذكر الوحيد هناء في هذه المنطقة النسائية البحتة. ولوهلة أحست زليخة بالشفقة عليه. وخطر لها أن تطلب من الرجل أن يخرج معها إلى الشرفة ليدخنا سيجارة معاًء لأنها كانت متأكدة من أنه يدخن. لكن قد تسيء الأخريات فهمها. إذ لا يحق لامرأة عازبة أن تطلب ذلك من رجل متزوج» لأن الرجل المتزوج سيظهر مشاعر عدائية تجاه المرأة الأخرى عندما تكون زوجته جالسة إلى جاته, لماذا تضخب مضادقة الرجال؟ لماذا يجب أن بكرن الأمر ذائماً هكذا؟ لماذا لا تخرجا إلى الشرفة» وتدخنا وتتبادلا بضع كلمات» ثم يمضى كل واحد منكما إلى حال سبيله؟ جلست زليخة هناك ولاذت بال اا ريك ل لأا كانت مي ٠ وقد كانت كذلك القن أو لأنها كانت مستاءة من هذا الاهتمام كله وهذا ما كان يحصل أيضاًء بل لأنها كانت تريد أن تقف بالقرب من النافذة المفتوحة؛ كانت تتوق لسماع أصوات الشارع . عندئذ تسلل إلى الغرفة صوت أجش لبائع في الشارع يصيح : ايوسفي . . . يوسفي معطر طازج. . .».
«(جيد» تابح صياحك»» دمدمت زليخة في نفسها. فهي لم تكن تحب السكون» بل كانت في واقع الأمر تكره الصمت. ولم تكن تمانع في أن يحدّق الناس فيها في الشارع» في السوق» في غرفة انتظار الطبيب هنا وهناك. نهاراً وليلا؛ لم تكن تمانع في أن ينظروا إليها ويحدَقوا فيهاء بل ويمعنون النظر فيها مرة أخرى وأخرى وكأنهم يرونها لأول مرة. فبطريقة أو بأخرى» كانت تستطيع دائماً أن تقاوم نظراتهم المتفرسة فيها. أما الشيء الذي لم تكن تستطيع أن تقاومه فيهم فهو صمتهم .
«يوسفي . . . يوسفي . . .» «كم الكيلو؟» صاحت امرأة تطل برأسها من نافذة مفتوحة في طابق علوي في إحدى البنايات في الشارع المقابل .
Twitter: @ketab_n ۳
وكانت زليخة تتسلى دائماً برؤية السهولة» وبدون أي جهد تقريباًء التي يستطيع فيها سكان هذه المدينة أن يستنبطوا أسماء لا تخطر على بال لبعض المهن العادية . إذ يمكنك أن تضيف حرفي «جي» إلى كل شىء تقريباً يباع في السوق» ثم تعرف أن عليك أن تضيف اسما آخر في قائمة المهن الحضرية الطويلةء فحسب المادة المباعة» يمكنك أن تسمى بسهولة ذلك الشخص ت «اليوسفجي»»› «المائجي» أو «الجواهرجي» أو «المجهضجي؛ .
لم يعد يساور زليخة الآن أدنى شك. إذ لم تكن بحاجة لأن تجري اختباراً لتعرف الشىء المتأكدة منه» فقد كانت قد أجرت فحصاً فى العيادة التي فتحت مؤخراً في حيهم . ففي يوم «الافتتاح الكبير؟» استقبل العاملون فى العيادة بحفاوة مبهرجة عدداً من المدعوين المختارين» وكانت أكاليل وباقات الزهور قد صفت عند باب المدخل ليعرف المارة في الشارع بهذه المناسبة العظيمة أيضاً. وعندما ذهبت زليخة إلى العيادة في اليوم التالي مباشرة» كانت معظم هذه الزهور قد ذبلت وبهتت ألوانهاء أما النشرات والملصقات فبقيت ألوانها زاهية كما كانت من قبل . اختبار حمل مجاني مع كل اختبار سكر في الدم» كتبت بحروف كبيرة تلمع بالفسفور. ولم تعرف زليخة العلاقة بين هذين الاختبارين› لكنها مع ذلك أجرت الاختبار. وعندما خرجت النتيجة» تبين أن نسبة السكر فى دمها طبيعية› إلا أنه تبين آنها حامل .
«يا آنسة» يمكنك أن تدخلى الآن» نادتها موظفة الاستقبال الواقفة أمام الباب» محاولة أن تتغلب على حرف راء آخر هذه المرة» وهذه المرة كان يصعب عليها أن تتفاداه فى عملها: «الطبيب . . . فى انتظارك».
قابضة على صندوق كؤوس الشاي وعلى كکعبها المكسور» قفزت زليخة واقفة على قدميها. وأحست أن جميع الرؤوس في الغرفة قد استدارت نحوهاء تسجل لها كل نأمة وحركة. وكانت عادة تسير بأسرع ما
Twitter: @ketab_n ۲١
يمكنها. أما الآن» فقد أصبحت حركتها بطيثة بوضوح» بل تكاد تكون واهنة. وما أن أوشكت على مغادرة الغرفة» حتى توقفت» وكمالو أنها كانت مدفوعة بزز» التفتت» وكانت تعرف تماما الشخص الذي ستلقي عليه نظراتها. فهناك» وسط نظرتها المتفرّسة» كان يوجد وجه مليء بالمرارة. إذ كانت المرأة ذات المنديل تلوي قسمات وجههاء وکات عيناها البنيتان مغلفتين بشىء من الامتعاض» وشفتاها تتحركان وتلعنان الله وح ا دات اله هشر رها الى عل وك ا جيف الطفل الذي كان يجب ألا يمنحه الله إلى فتاة طائشةء بل کان يجب أن یمنحه لها.
# ¥ #
كان الطبيب رجلا ضخم الجثة تشي وقفته المنتصبة بالقوة. وبخلاف موظفة الاستقبال في عيادته» لم تكن نظرته تشي باللوم» ولم يكن يطرح أسثلة حمقاء. بل رحب بزليخة بشتى الطرق» وجعلها توفع على بعض الأوراق» وعلى عدد آخر من الأوراق فى حال حدوث شيئ أثناء العملية أو نها وشخرت ليشت الراقة إلى جانبهء أن أعضابها فد جمدت وجف جلدهاء وهو أمر سيء للغاية» لأنها عندما تتجمد أعصابها ويجف جلما تضبح حقة شل کاس الشاي: وعندما تصبح هشّة مثل كأس الشاي» تبدأ الدموع تطفر من عينيها. وهذا ما كانت تكره أن تفعله حقاً. فمنذ أن كانت فتاة صغيرة» كانت تحتقر كثيراً النساء اللاتى يبكين» ومنذ ذلك الحين» قطعت زليخة عهداً على نفسها بألا تصبح واحدة من تلك البائسات اللاتي كن يبعثرن دموعهن ويلقينها في كل مكان» ويشتكين ويتذمرن من أي شيء أينما ذهبن»› رغم وجود الكثيرات منهن حولها. لذلك أمسكت عن البكاء. وتمكنت حتى هذا اليوم» من الاحتفاظ بوعدها. فإذا اغرورقت الدموع في عينيهاء کانت تحبس أنفاسها وتتذکر الوعد الذي قطعته على نفسها. لذلك في يوم الجمعة ذاك»ء أول يوم
Twitter: @ketab_n 11
حمعة من شهر تموز هذاء فعلت للمرة الثانية ما كائت تفعله دائماً لتحبس رها بان أختت شا عا ورت دتما إلى الأعلى ديل على القوة. أما في هذه المرة» فقد حدث شيء» وخرج نَقَسُها الذي كانت قد
لم تبد على الطبيب أمارات الدهشة. فقد كان معتاداً على ذلك. إذ كانت النساء يبكين دائماً.
اا هاا فال حارلا آن بر انى رة ور امك فى ارندا قفازاته الطبية. «كل کے یی عاق ا و لا تقلقي . إنها مجرد قيلولة . إذ إنك ستنامين» وستحلمين» وقبل أن ينتهى حلمك» سنوقظك وستعودين إلى البيت. وبعد ذلك» لن تتذكري شيئاًه.
عندما بكت زليخة بهذه الطريقة» اندفعت قسماتهاء وغار خداهاء فبرزت معظم معالم وجهها: أنفها! أنفها المعقوف بشكل ملحوظ› الذي ورثته» مثل شقيقاتهاء عن أبيهن»ء لكن أنفهاء بخلاف أنوف شقيقاتهاء كان مدبباً أكثر عند أرنبته» وأطول قليلاً عند الجانبين .
ربت الطبيب على كتفهاء وناولها منديلاً ورقياًء ثم قَذَم لها علبة المناديل كلها. فقد كانت توجد دائماً علبة مناديل احتياطية جاهزة بجانب طاولته. إذ كانت شركات الأدوية توزع على الأطباء علب المناديل هذه مجاناً. وبالإضافة إلى الأقلام ودفاتر الملاحظات والأشياء الأخرى التي تحمل أسماء شركاتهم» كانوا يصنعون مناديل ورقية للمريضات اللاتي لا يتمكن من إمساك انفسهن عن البكاء.
«يا تين . . . تين لذيذ. . . تين ناضج!».
هل هو البائع نفسه أم بائع جديد؟ ماذا يسمیه زبائنه.. .؟ التينجي . . .؟ سألت زليخة نفسها» وهي مستلقية هامدة على طاولة في غرفة بيضاء مخرقة في النظافة. ولم تثر فزعها الأدوات» ولا حتى
Twitter: @ketab_n ۲۳
السكاكين» كما أثارها هذا البياض المطلق . فقد كان ثمة شيء في اللون الأبيض يشبه الصمت . إذ يخلو كلاهما من الحياة.
في سعيها للابتعاد عن لون الصمت» راحت زليخة تشغل نفسها ببقعة رداء في الف وا حذقث فيها أكشر» كانت البقعة تو أشبه بعنكبوت أسود. ففى البدء» كان ثابتاً لا يتحرك»› لکنه بدأ يزحف بعد ذلك . ب الوت د ضخامة عندما بدأت الحقنة تسري في عروق زليخة. وبعد بضع ثوان» ثقل جسدها ولم تعد تستطيع أن تحرّك إصبعاً من أصابعها. وفيما حاولت مقاومة أن يجرفها النوم بسبب التخدير» بدأت
«هل أنت متأكدة من أن هذا ما تریدین أن تفعلینه؟ ربما كنت تريدين أن تفكري في الأمر ثانية٠» قال الطبيب بصوت مخملي وكأن زليخة كومة من الغبار» ويخشى أن يزيحها بريح كلماته لو رفع صوته أكثر. إن كنت تريدين أن تعيدي النظر في قرارك هذاء فلا يزال أمامك وقت».
لكن زليخة كانت تعرف جيداً أنها يجب أن تفعل ذلك الآنء في يوم الجمعة هذاء أول يوم جمعة من شهر تموز. «إما اليوم أو أني لن أفعلها أبداً. لا يوجد شيء أفكر به. لا يمكنني أن أبقيه»» سمعت نفسها تقول .
هر الطبيب رأسه. وكأنها تنتظر هذه البادرة» تسلل صوت آذان صلاة الجمعة إلى الغرفة من المسجد القريب. وما هي إلا ثوان قليلة» حتى انضم إلیه صوت آذان من مسجد آخر» ثم مسجد آخر وآخر. تشٽج وجه زليخة ضيقاً. فقد کانت تکره أن تسمع صوت آذان کان قد صُّمم أصلاً لينبعث بنقاء صوت إنسان» لكنه أفقد إنسانيته عندما صار ينبعث من صوت كهربائي يدوي في أرجاء المدينة من مكروفونات ومكبّرات صوت. وسرعان ما أصبح الصخب يصَ الآذان» وساورها شك بأن ثمة خطأً في مكبرات الصوت في جميع المساجد القريبة من العيادة. وإما أن يكون ذلك» أو أن أذنيها هما اللتان أصبحتا شديدتي الحساسية.
Twitter: @ketab_n ٤
«سينتهي الأمر بعد دقيقة. . . لا تقلقي» . كان الطبيب هو الذي يتكلم . نظرت إليه زليخة بتهكم . هل كانت كراهيتها لصوت الآذان بمكبرات الصوت بادية على
اندرا الرحة ر ال تعدا كانت طقكء كانتي كز أن الل صديقها الأثير» ولم يكن ذلك شيئاً سيئاً بالطبع » سوى أن صديقتها العزيزة الأخرى»ء كانت فتاة ثرثارة يكسو وجهها النمش» وقد اعتادت على التدخين وهي في الثامنة من العمر. وصادف أن تلك الفتاةء كانت ابنة المرأة التي تأتي لتنظف بيتهم» امرأة كردية بدينة ذات شارب لم تكن تكترث بحلاقته دائماً. ففي تلك الأيام» كانت تأتي إلى بيتهم مرتين في الأسبوع» وفي كل زيارة» كانت تحضر ابنتها معها. وأصبحت زليخة والفتاة صديقتين بعد فترة من الوقت» حتى أنهما جرحتا سبابتيهما لتمزجا دمهماء وتصبحان أختين عن طريق الدم طوال الحياة. وطوال أسبوع»› لفت الفتاتان اصبعيهما بضمادات مضمخة بالدم دلالة على أنهما أختان. وفي ذلك الوقت» كانت زليخة تدعو ربها أن يصبح الله أختاً لها في الدم أيضاً. . . أختها في الدم. . .
أستغفر الله» كانت تستغفر ربها على الفور» ثم تكرّر ذلك مراراً لأنك عندما تطلب المغفرة من الله يجب أن تفعل ذلك ثلاث مرات: أستخفر اللهء أستغفر اللهء أستغفر الله.
كانت تعرف أن هذا خطأ. فلا يجوز للمرء أن يشخص الله. فليس لله أصابع» أو دم. يجب على المرء ألا يضفي صفات بشرية عليه» وهذا لم يكن بالأمر السهل لأن جميع أسمائه التسعة والتسعين هي صفات ترتبط بالبشر أيضاً. فهو یری کل شيء» لکن ليست لدیه عینان. ویسمع کل شيء» لکن ليست لديه آذنان؛ ويستطيع أن يصل إلى كل مكان» لكن لا
توجد لدیه يدان . ا ومن جميع هذه المعلومات» استنتجت زليخة ذات
Twitter: @ketab_n
السنوات الشمانيء أن الله قد يشبهناء لكننا لا يمكننا أن نشبهه. أم أن الأمر بالعكس؟ على أية حال» يجب على المرء أن يتعلَّم أن يفكر به» أي» هو بدون التفكير به على أنه هو.
في أغلب الظن لم تكن زليخة تبدي اهتماماً كبيراً بذلك لو أنها لم تر ضمادة مضمخة بالدم ملتفة حول سبابة أختها الكبرى فريدة في عصر أحد الأيام . فقد بدا لها أن الفتاة الكردية قد جعلتها أختها بالدم هي الأخرى . شعرت ق وعندها فقط» خطر لها أن اعتراضها الحقيقي أنه لم یتبق لله دم» لأنه لديه أخوات كثيرات عن طريق الدم» ليرعاهن› ثم ليتوقف عن رعاية أحد في نهاية الأمر.
إلا أن هذه الصداقة لم تدم طويلاً. كان القناق كبيراً وخرباًء وكانت أمها حاذة الطبع وعنيدة» لذلك تركت عاملة التنظيف العمل بعد فترة وجيزة» وأخذت ابنتها. وعندما لم يعد لها صديقةء التي كانت صداقتها مريبة في الواقع» انتاب زليخة شعور شديد بالاستياء» لكنها لم تعرف سبب ذلك - بسبب مغادرة عاملة التنظيف» أم بسبب أمَها التي جعلتها تترك العمل» أم بسبب صديقتها لأنها كانت تلعب على الجانبين» أم بسبب أختها الكبرى لأنها سرقت أختها في الدم» أم بسبب لله. وبما أنها لم تكن تستطيع أن تطال الآخرين» اختارت أن توجه اللوم إلى الله. وعندما أحست أنها كفرت وهي في هذا العمر المبكر» رأت أنه لا يوجد سبب لا يجعلها أن تفعل ذلك بعد أن كبرت .
انضم إلى الأصوات صوت مؤذن منبعث من مسجد آخر. وتضاعفت أصداء آذان متعددة في الهواء» وكأنها ترسم دوائر داخل دوائر. وكان الشيء الغريب أنها شعرت بالقلق في هذه اللحظة» وهي في عيادة ا لأنها تأخرت على العشاء. تسات ایو ان غاي المائدة في هذا المساءء وأي أخت من أخواتها الثلاث قد طهت الطعام.
Twitter: @ketab_n ۲١
فقد كانت كل أخت من أخواتها تجيد طهي طبق معيّن» لذلك تستطيع أن تأمل في الحصول على طبق مختلف حسب الأخت التي طهت الطعام هذا اليوم. فقد كانت تشتهي محشي الفلفل الأخضر - وهو طبق معقد ودقيق للغايةء لأن كل واحدة من أخواتها كانت تعدّه بطزريقة مختلفة. محشى... فلفل. . . أاخضر: وبداأ تنقسها يتباطاء فيما بدأ العنكبوت و ا ا ا تخس لجرو ن ال ل بكرن بقارن فار اه دات الآن إلى مملكة مورفيوس (إله الأحلام).
كان الجو ساطعاً جداً هناء يكاد يكون براقاً ولامعاً. ببطء وبحذرء راحت تمشي على طول جسر يع بالسيارات والمشاة» وبصيّادي السمك اللابثين في أماكنهم لا يتحركون والديدان تتلوى عند أطراف قصبات صيدهم. وفيما كانت تجول بينهم» وجدت أن كل بلاطة على الرصيف تضع قدمها عليهاء كانت طليقة ومخلخلة» ولفزعها لم يكن تحتها سوى فراغ. وسرعان ما أدرکت برعب شديد أن ما كان تحتها كان فوقها أيضاًء وكلما كانت السماء الزرقاء تمطر بلاطةء كان عدد بلاطات الرصيف يقل بلاطة. فوق فى السماء» وتحت فى الأرض» كان هناك الشىء نفسه: العد-م. ۰ ۰ ۰
وفيما كانت البلاطات تمطر من الأعلىء كان التجويف من تحتها يزداد اتساعاًء فزعت وخافت أن تبتلعها الهاوية الفاغرة فمها. «توقفوا!» صاحت فيما ظلت الأحجار تتدحرج تحت قدميها. «توقفوا! «قالت وهي تأمر السيارات المسرعة باتجاهها ثم تدهسها. «توقفوا!» راحت تتوسل إلى المشاة الذين لم يعبأوا بها وكانوا يدفعونها بأكتافهم».
«أرجوكم توقفوا!».
¥¥¥ ¥
Twitter: @ketab_n ۷
عندما أفاقت زليخة» وجدت نفسها وحدها في غرفة غير مألوفةء تشعر بالغثيان. كيف وصلت إلى هذا المكان كان لغزاً لم تكن ترغب في كشفه الآن. ولم تكن تشعر بشيء» لا ألم ولا حزن. لذلك خلصت في نهاية الأمر إلى أن شعورها باللامبالاة لا بد أنه هو الذي فاز فى السباق. فلم تكن قد أجهضت طفلها فقط» بل أجهضت أحاسيسها أيضاً على تلك المنضدة ذات البياض النقي في الغرفة التالية. ربما كان ثمة أمل مشجع في مكان ما. لعلها تستطيع أن تذهب الآن لاصطياد السمك» لكي تتمكن أخيراً من أن تقف دون أن تأتى بحركة لساعات طوال دون أن يعتريها شعور بالإحباط» وکأن الحياة أرنب بري سريع تستطيع أن تراه من مسافة بعيدة» لكنها لا تستطيع أن تمسكه أبداً.
«ها قد عدت أخيراً!؛ كانت موظفة الاستقبال واقفة بجانب الباب» ويداها مستندتان إلى خصرها. «يا سبحان الله! لقد أرعبتنا! هل لديك فكرة كم كانت صرختك مدوية؟ كانت صرخة مرعبة) .
كانت زليخة لا تزال مستلقية» لا يرمش لها جفن .
«لا بد أن الناس في الشارع ظنوا أننا نذبحك أو شيئًاً من هذا القبيل . . . إني أتساءل لماذا لم تأت الشرطة!».
لأنك تتحدثين عن شرطة إستانبول» لا عن شرطي مفتول العضلات في فيلم أمريكي» قالت زليخة لنفسهاء فيما تركت عينها تطرف أخيراً. كانت لا تزال عاجزة عن معرفة السبب الذي جعلها تزعج موظفة الاستقبالء لكنهالم تر سبباً في أن تزعجها مرة أخرى» فقدمت أول اعتذار خطر ببالها: «ربما صرخت لأنني شعرت بالألم. . .٠.
إلا أن هذا العذرء» مهما كان مقنعاً» قد سشحق على الفور: «لا يمكن أن يكون الأمر كذلك يا آنسة» لأن الطبيب. .. لم يجر العملية. حتى أننا لم نلمسك».
Twitter: @ketab_n ۲۸
«ماذا تقصدين . . .؟٠ تلعثمت زليخة» ولم تحاول أن تعرف الجواب أكثر من أن تفهم وزن سؤالها. اتقصدين. . . إنكم لم. . ٠».
«لاء فنحن لم...٠. أطلقت موظفة الاستقبال تنهيدة» وأمسكت رأسها وكأن داء الشقيقة بدأ ينتابها. اک ل کن د الطبيب أن يفعل شيئاً معك وأنت تصرخين بأعلى صوتك. لم تفقدي وعيك يا امرأة» أبداً. في البداية كنت تهذين وتثرثرين» ثم بدأت تصرخين وتلعنين. لم أر فی حياتي شيئاً كهذا خلال خمس عشرة سنة. لا بد أن المورفين استغرق صعف الوقت لكي يسري مفعرله في جسدكة.
شكت زليخة بوجود شيء من المبالغة في كلامهاء لكنها لم تكن ترغب في مجادلتها. فبعد مضي ساعتين على زيارتها إلى عيادة الطبيب النسائي» بدأت تدرك وجود مريضة يتوقع ألا تتكلم إلا عندما يطلب منها ذلك.
«وعندما فقدت وعيك أخيرأاً» لم نصدق أنك لن تبدئي في الصراخ ثانية» وقال الطبيب لننتظر حتى يصفو عقلها. فإذا كانت متأكدة من أنها تريد أن تجهض» يمكنها أن تقرر ذلك في وقت لاح . لقد أحضرناك إلى هنا وتركناك تنامین»› وقد ىت فاا `
«هل تقصدین أنه لم یکن بوجد. . .٠. کان يبدو آنها لم تعد تستطيع الآن أن تقول الكلمة التي كانت قد قالتها بجرأة كبيرة أمام الناس الغرباء عصر هذا اليوم. لمست زليخة بطنها فيما راحت عيناها تبحثان عن عزاء يمكن أن تكون موظفة الاستقبال آخر شخص على وجه الأرض يمكنه أن يمنحه إياها. «إذن فهي لا تزال هنا. . ٠.
«حسناًء إنك لا تعرفين بعد إن كانت هى أو هو»» قالت موظفة الاستقبال» بصوت تقريري . ۰
لکن زل كانت قرفت بسا کات تهرف:
Twitter: @ketab_n ۹
ففي ذات يوم كانت تسير في الشارع رغم هبوط الظلام. كان الوقت يشبه فترة الصباح الأولى . وكان المطر قد توقف عن الهطول وبدت الحياة جميلة ومطواعة. ومع أن حركة المرور كانت لا تزال في حالة شديدة من الفوضى» والشوارع مليئة بالوحل» منحت الرائحة الهشّة التي تنبعث بعد هطول المطرء المدينة كلها حلة مقدّسة. وكان الأطفال يخوضون هنا وهناك في البرك الطينية» يستمتعون بارتكاب معصية بسيطة. وإن كان ثمة رن ال ا تالجع ور خو اا الحا [حى لات اللحظات النادرة التي تشعر فيها أن الله لا يراقبنا فقط بل يرعانا ويهتم بنا أيضاً؛ إحدى تلك اللحظات التي تشعر بأنه قريب جداً منك .
وبدا وكأن إستانبول قد أصبحت عاصمة مفعمة بالسعادة» رائعة على نحو رومانسي» تماماً مثل باريس» قالت زليخة لنفسهاء مع أنها لم تذهب في حياتها إلى باريس. حلّق نورس بالقرب منها ناقلاً لها رسالة مشفرة كانت على وشك أن تفك رموزها. وفى نصف دقيقة» أصبحت زليخة وكأنها تقف على حافة بداية جديدة. الماذا لم تتركاني أجهض» هل هر اللها؟ سمعت نفسها تهمهم› لكن ما أن خرجت الكلمات من فمها» حتى راحت تستغفر ربها بخوف شديد بسبب الذات الملحدة في نفسها.
استغفر الله» استغفر اللهء استغفر الله.
بعيدآً وتحت قوس قزح» عادت زليخة وهي تسير ببطء شديد إلى البيت» ممسكة بصندوق كؤوس الشاي وبكعب حذائها المكسور» تشعر بكابة أقل مما كانت تشعر بها منذ أسابيع .
¥ ¥ ¥
تموز» عادت زليخة فى حوالى الساعة الثامنة مساء إلى القناق ڏي السقف العالي العثماني» الذي لم يكن يبدو أنه موجود في مكانه الملائم وسط
Twitter: @ketab_n
عمارات سكنية حديثة أطول منه بخمسة أضعاف على كلا الجانبين . وراحت تصعد الدرج المنحني بتثاقل » ووجدت جميع نساء عائلة قازانجي قد تحلقن حول مائدة العشاء العريضة في الطابق العلوي» وكن منهمكات في تناول طعامهن» ومن الواضح أنهن لم يجدن سبباً يجعلهن ينتظرنها.
«أهلاً بالغريبة! ادخلي» هيا انضمي إلينا وشاركينا العشاء»» هتفت بانو» وهي ترفع عنقها فوق جناح دجاجة مشوية بالفرن. «النبي محمد يطلب منا أن نتناول طعامنا مع الغرباء» .
كانت شفتاها تلمعان» وكذلك خداهاء وكأنها استغرقت وقتاً إضافياً لتمسح وجهها كله بدهن الدجاج» بل وحتى عيناها المتلألئتان الشبيهتان بعيني المها. وكانت تكبر زليخة باثنتي عشرة سنة» ويزيد وزنها عنها بخمسة عشر كيلو غراماًء وكانت تبدو وكأنها أمَها أكثر من كونها أختها. وإذا كان علينا أن نصدق بانو» فإنها تملك جهازا هضميا غريبا قادرا على تخزين كل شيء يبتلعه» وهو اذعاء قد يصدقه المرء» لولا أنها تجادل أيضا بأنھا حتی لو شربت ماءَ صرفاً» فإن جسمها سيحوله إلى شحوم ودهون» لذلك لا يمكن أن يحملها أحد مسؤولية زيادة وزنهاء أو أن يطلب منها أن تبدأ حمية غذائية.
«احزري ماذا يوجد على مائدة اليوم؟» تابعت بانو كلامها جذلة» وهي تهر إصبعها أمام زليخة قبل أن تقبض بيدها جناح دجاجة آخر. «محشي فلفل أخضر!».
«لا بد أن هذا اليوم يوم سعد لي» قالت زليخة.
بدت أطباق اليوم رائعة . فبالإضافة إلى دجاجة ضخمة» كان هناك حساء اللبن» وبيلاكي» وكفتة بودو كادين من البارحة» ومخللات» وجوريك طازجة» وإبريق عيران» ونعم» محشي فلفل أخضر. وعلى الفور» سحبت زليخة كرسياًء إذ تغلب جوعها على عدم رغبتها الشديدة في مشاركة العائلة العشاء في أمسية هذا اليوم العصيب .
Twitter: @ketab_n ۳۱
«أين كنت يا بنت؟» سالتها أمها كلثوم متذمرة» التي لعلها كانت إيفان الرهيب في حياة سابقة . كوّرت كتفيهاء ودفعت ذقنها إلى الأعلى» وقطبت حاجبيهاء ثم أدارت وجهها المقطب نحو زليخة» وكأنها ستتمكن بذلك من قراءة عقل أصغر بناتها.
وهكذا وقفتا هناك كلثوم وزليخةء الأمٌ وابنتهاء الواحدة تعبس في وجه الأخرى» كل واحدة منهما مستعدة للشجارء لكنها لا تريد آن تبدأ الشجار. وكانت زليخة هى من أشاحت بوجهها عن آمَّها. فقد كانت کیر ف تیاب ہا کے ا کے ا ا اقات الان لجا ف وت ا اریت عاف ان تھ وار ت ان ود عا ولورد ق مباشر .
«كانت هناك تخفيضات جيدة في البازار اليوم. اشتريت طقَم كؤوس شاي . إنها رائعة تماماً! موشاة بنجوم مذهَبة» وملاعق صغيرة مطابقة لها .
«للأسف. إنها تنكسر بسهولة٠» همهمت شكرية» الأخت الثانية الكبرى في عائلة قازانجي» ومعلّمة مادة التاريخ الوطني التركي في إحدى المدارس الثانوية الخاصة» وكانت تدأب على تناول وجبات طعام متوازنة صخية» وتحرص على رفع شعرها بطريقة شينيون وتلفه في مؤخرة رقبتها دون أن تترك شعرة واحدة طليقة .
«هل ذهبت إلى البازار؟ لماذا لم تشتري أعواد القرفة؟ لقد قلت لك هذا الصباح إننا سنصنع أطباقاً من الرز بالحليب اليوم ولم تتبق في البيت قرفة لنرشها عليها». عبست بانو وسط قضمتين من الخبزء لكن هذه المشكلة لم تشغلها لأكثر من جزء من الثانية . فقد كانت لديها نظرية في الخبز كانت مولعة بترديدها دائماًء وتطبقها طوال الوقت» ومفادها أنك إذا لم تتناول كمية ملائمة منه في كل وجبة» فإن المعدة لن «تعرف» أنها امتلأت» ولذلك فهي تطلب المزيد من الطعام. فلكي تفهم المعدة أنها امتلأت تماماً» يجب على المرء أن يأكل كميات لا باس بها من الخبز مع
Twitter: @ketab_n ۳۲
كل شيء. لذلك» فإن بانو تتناول الخبز مع البطاطاء والخبز مع الررَّء والخبز مع الباستاء والخبز مع البُرَ. وعندما تريد أن تعطي معدتها رسالة أكثر وضوحاًء فإنها تتناول الخبز مع الخبز. فالعشاء بدون خبز إثم مطلق› قد يغفره الله» أما بانو» فمن المؤكد أنها لن تغفره.
تة فا وی دان کک ج عة ا ولتحاشي السؤال» وضعت محشي الفلفل الأخضر في صحنها. وكانت تعرف بسهولة الأخت التي طهت محشي الفلفل: بانو أو شكرية أو فريدة. ذا گانت بانو سیکرن اء وإن کانت تعرز آشیاء كثيرة کالفستق واللوز والكاشيو. أما إذا كانت فريدة» فسيكون ممتلثاً بالررّ» وسترى أن حبة الفلفل الأخضر ممتلئة ومنتفخة ويستحيل تناولها إن لم تقطعها إلى قطع صغيرة. وعندما يرافق ميل فريدة لحشي الفلفل حبَّها للتوابل من جميع الأنواع» فإن الدولما ستكون مبهرة بالأعشاب والتوابل. وحسب التوليفة» تستطيع أن تعرف إن كانت رائعة آم سيئة حقًاً. فعندما تطهو شكرية يكون الطعام دائماً أحلى» لأنها كانت تضيف السكر المطحون إلى كل شيء يصلح للأكل مهما كان» وكأنها تريد أن تعوض عن الحموضة والمرارة اللتين تهيمنان على عالمها. وصادف أنها هي التي أعدت الدولما اليوم.
كنت عند الطبيب . . ٠. دمدمت زليخة» وهي تزيل قشرة الدولما الخضراء الشاحبة بعناية .
«أطباء!» كشرت فريدة» ورفعت شوكتها في الهواء وكأنها عصا تستخدمها لتشير إلى سلسلة جبلية بعيدة على الخريطة» وأن المستمعين إليها ليسوا أفراد عائلتهاء بل طلابها في حصة الجغرافية. وكانت فريدة تعاني من مشكلة النظر في العين مباشرة» بل كانت تشعر بارتياح أكبر عندما توجه كلامها إلى أشياء. لذلك راحت تخاطب صحن زليخة: «ألم تقرئي الصحف هذا الصباح؟ لقد أجروا عملية زائدة دودية على طفل في
Twitter: @ketab_n ۳
التاسعة من عمره» ونسوا مقصاً داخل جسمه. هل لديك فكرة كم عدد الأطباء في هذا البلد الذين يجب أن يزج بهم في السجن نتيجة الخطأً والإهمال الطبيين؟».
على العمليات الطبية . ففى السنوات الست الماضية» شخْص الأطباء أنها مصابة بشمانية أمراض مختلفة» كان كل منها يبدو أكثر غرابة من سابقه. ولا يعرف أحد إن كان الأطباء لم يتمكنوا من حسم أمرهم» أم أن فريدة نفسها كانت تختلق أمراضاً جديدة. وبعد فترة» لم يعد ذلك يهمها بأي شكل من الأشكال . فالصحة العقلية هى الأرض الموعودة» الشانغري - التي اعت ا دا گات اة والتي كانت تعتزم أن تعود إليها ذات يوم. وخلال رحلتها هذه» كانت تتوقف لتأاخذ قسطاً من الراحة في محطات مختلفة ذات أسماء غريبة ومعالجات كثيبة .
حتى عندما كانت فتاة صغيرة» كان ثمة شيء غريب في فريدة. فقد كانت تلميذة صعبة المراس في المدرسة» ولم تكن تبدي اهتماماً باي شيء سوى حصص الجغرافية الطبيعية ؛ وفي حصص الجغرافية هذه» لم تكن تبدي اهتماماً إلا بعدد قليل من المواضيع› بدءاً من طبقَات الغلاف الجوي . ومن المواضيع الأثيرة لديها كيفية حدوث ثقب الأوزون في طبقة الغلاف الجوي العلياء والربط بين تيارات المحيط السطحية والأنماط الجوّية. وقد تعلمت كل شىء أمكنها أن تجمعه عن دور الطبقات العلياء وخصائص طبقات الغلاف الخزي الأوسط› وریاح الوديان وأنسام البحر» والدورات الشمسية» وخطوط العرض الاستوائية» وشكل وحجم الأرض. فكل شيء تحفظه عن ظهر قلب في المدرسة» كانت تأتي لتلقيه في
)١( الشانغري - لا رواية خيالية بعنوان «الأفق المفقود للكاتب البريطاني جيمس هيلتون في عام ۳ (المترجم) .
Twitter: @ketab_n ۳٤
البيت» تتبّل كل حديث من أحاديشها بمعلومات عن المحيط الجوي. وفي كل مرة تظهر فيها معلوماتها في الجغرافية الطبيعية» كانت تتكلّم بحماس منقطع النظير» وتطفو في الأعالي فوق الغيوم» وتقفز من طبقة جوية إلى أخرى. وبعد سنة من تخرّجهاء بدأت فريدة تبدي سلوكاً غريباً» ورغبة في العزلة والانفراد.
ومع أن اهتمام فريدة بالجغرافية الطبيعية لم يتضاءل في الوقت الملائم» بل أوحى إليها بدائرة أخرى من الاهتمام كانت تجد متعة كبيرة
فيها: الحوادث والكوارث. ففي كل يوم» كانت تنكبَّ على قراءة الصفحة الالغة من الصحف الشعبية . حوادث السيارات» جرائم القتل المتسلسلة› والأعاصيرء والزلازلء والحرائق» والفيضانات»› ا القاتلة والأمراض المعديةء والفيروسات غير المعروفة. . . كانت فريدة تقرأً كل هذه الأشياء. وكانت ذاكرتها الانتقائية تستوعب الكوارث المحلية والوطنية والدولية لكي تنقلها للآخرين من حيث لا يحتسبون. ولم يكن يستغرق الأمر طويلاً لكي تضفي الكآبة على أي حديث» وتجعله كثيباً قاتماًء لأنها ا وتختلق قصصاً عندما لا يکون فيها شيء من المآسي .
بيد أن الأخبار التي كانت ترويها لم تكن تزعج الآخرين» مع أن أحداً لم يعد يصدقها منذ زمن بعيد. فقد فهمت عائلتها إحدى سبل التعامل مع الجنون» وهو عدم تصديقها.
قال الأطباء في البداية إن فريدة مصابة ب «قرحة الإجهاد». ولم يأخذ أحد في العائلة هذا التشخيص على محمل الجد لأن كلمة «الإجهاد» كانت مسحت مرف و ر لى كل هة ولان فا إن اقح غا الإجهاد» في الثقافة التركية» حتى لقيت ترحيباً حاراً من سكان إستانبول جميعهم» وعلى الفور ظهر عدد لا يحصى من الأشخاص المصابين «بالإجهاد» في المدينة. وما فتئت فريدة تتنقل من مرض له علاقة بالإجهاد
Twitter: @ketab_n
إلى مرض آخر» واكتشفت رحابة الأرض وسعتها بعد أن وجدت أنه لا يوجد ثمة شيء لا يرتبط بالإجهاد. ثم أخذت تتنقل بين الاضطراب الاستحواذي القهري» وفقدان الذاكرة اللا ترابطى» والكآبة الذهانية . وبعد أن تمکنت من تسميم نفسهاء ا کات مرغ ا تات العنب الحلو المر» وهو أكثر الأسماء التي أعجبتها من بين جميع الأمراض التي آصيبت بها:
وفي كل مرحلة من رحلتها إلى الجنونء كانت فريدة تغْيّر لون شعرها وتصفيفته» إلى درجة أن الأطباءء في سعيهم لتتبع التغيرات الحاصلة في نفسيتها» وضعوا جدولا بيانيا يرصد حركة شعرها: قصير» متوسط الطول» طويل جداًء وفي إحدى المرات حلقت شعرها بالكامل» وكانت تجعله في شقن الأحان سا الت ار مط سبدلا أن ذا تاباك مدبّبة» أو بضفائر» وكان يحمل أطناناً من بخاخ الشعر» والجلء والشمع»› أو مراهم التصفيف والتثبيت الأخرى» أو مشابك الشعر والمجوهرات» أو أشرطة الزينة؛ ثم تجعله في قصّة البانك» وتجعله في شكل كعكة مثل راقصات البالية» تلوّنه وتصبغه بجميع الألوان الممكنة. كانت جميع تصفيفات شعرها حوادث عابرة» أما مرضها فقد ظل ثابتا ومستقراً.
وبعد فترة طويلة من المكوث في مرض «الاأضطراب الاكتئابي الرئيسي»» انتقلت فريدة إلى «الحدود» - وهو اصطلاح أخذت كل واحدة في عائلة قازانجي تفسره على طريقتها. فقد فسّرت أمَها كلمة «الحدود»» بأنها مشكلة ترتبط بالشرطة وبموظفي الجمارك» مما يعني البحث عن امجم غريب يقم فى شخص فريدة. ذلك بدا ارتیابها بداد هذه الفتاة المخبولةء التي لم تكن تشق بها في المقام الأول. وبتضاد واضح» كان مفهوم «الحدود» بالنسبة لأخوات فريدة يستدعي بشكل رئيسي فكرة الحافةء وقد استدعت فكرة الحافة إلى الأذهان صورة جرف قاتل . لذلك رحن يعاملنها لفترة طويلة بحرص شديد» كما لو أنها كانت تسير في نومها
Twitter: @ketab_n ۳٢
فوق جدار يعلو عدة أمتار» وقد تهوي من فوقه فى أي لحظة. أما بالنسبة للجدة ما -الهيفاء» فكانت كلمة «حدود» تستدعى فكرة تشذيب عريشة
وكانت فريدة قد هاجرت مؤخراً إلى تشخيص آخر لا يمكن لأحد أن يلفظه» ناهيك عن الجرأة وتفسيره وهو: «خبل البلوغء أو الفصام المسلكى الصبياني والإصابة بالهلوسة والأوهام». ومنذ ذلك الحين» ظلت وفيَّة للمصطلحات الجديدة» وكأنها رضيت أخيراً بالاسم الذي تبحث عنه. ومهما كان التشخيص› فقد عاشت فريدة وفق قواعد عالم الخيال الخاص بهاء الذي لم تطأً قدمها خارجه على الإطلاق .
أما في أول يوم جمعة من شهر تموزء فلم تعر زليخة أي اهتمام لكراهية أختها المعروفة تجاه الأطباء. فما إن بدأت تأكل» حتى أدركت كم كانت جائعة طوال النهار. وبشكل يكاد يكون آلياء تناولت قطعة من «برك الجبنةا اوصبت لنفسها كاسا من العيران» ووضعت قطعة دولما خضراء أخرى في صحنهاء وأفصحت عن المعلومة الحبيسة في داخلها: «لقد ذهبت إلى الطبيب النسائي اليوم.. ٠.
«الطبيب النسائي!» كرّرت فريدة على الفور» لكنها لم تبدي أي تعليق محدد. فقد كان الأطباء النسائيون هم الفئة الوحيدة التي لم تكن لديها معهم تجربة مهمة.
«ذهبت إلى الطبيب النسائي اليوم لأجري عملية إجهاض»» أكملت زليخة جملتها دون أن تنظر إلى أحد.
سقط جناح الدجاجة من يد بانو وأطرقت برأسها وراحت تنظر إلى قدميها وكأن لهما علاقة بهذا الأمر؛ وزمّت شكرية شفتيها بشدة؛ وصرخت فريدة ثم أطلقت العنان لنوبة من الضحك؛ وأخذت أمَهن تفرك جبينها بتوترء وبدأت تشعر بأول موجة من اقتراب صداع فظيع؛ أما ما -
Twitter: @ketab_n ۲۷
الهيغاء فقد واصلت تناول حساء اللبن. وربما يعزى ذلك لإصابتها بالصمم التام في الأشهر الأخيرة. أو ربما لأنها كانت تعاني أيضاً من مراحل الخرف المبكرة. أو ربما لأنها بكل بساطة لم تر شيئاً يستحق إحداث جلبة بشأنه. فمع الجدة ما -الهيفاء» لا يمكنك أن تعرف شيئاً على الإطلاق .
«كيف يمكنك أن تقتلين طفلك؟» سألت شكرية بوجل .
«إنه ليس طفلا؛» قالت زليخة باستهجان» «ففى هذه المرحلةء فأنا أفضل أن أسميه فُطيرة. فهذا أدق علمياً» . ۰
«علمياً! إنك لا تعرفين شيئاً عن العلم» إنك لا تعرفين الشفقة)» وانفجرت شكرية في البكاء» وأردفت : «إنك قاسية» عديمة الرحمة! هذا هو أنت».
«حسناًء لدي أخبار جيدة إذن. لم أقتل. . .ه - ها -أياً كان»» التفتت زليخة نحو أختها بهدوء: «لا لأنني لم أرد أن أفعل ذلك. بل كنت أريد ذلك! فقد حاولت أن أجهض تلك القطيرة إلا أن هذا لم يحدث».
«ماذا تقصدین؟» سألت بانو.
ارتدت زليخة وجهاً شجاعاًء وقالت دون أن تغْيّر نبرة صوتها: «لقد أرسل لى الله رسالة٠» وكانت تعرف أنها يجب ألا تقول هذا لأسرتهاء لكنها قالته في جميع الأحوال. «كنت مستلقية مخذرة» وكان الطبيب يقف إلى جانب» والممرضة تقف إلى الجانب الآخر. وكانت العملية ستبدأ بعد بضع دقائق» وكان الجنين سيولي إلى غير رجعة! لكني ما أن أوشكت على أن أغيب عن الوعى فوق طاولة العمليات تلك» حتى سمعت صوت ن ارهن جه د م و اة لسرت اعا ر ل ف ف المخملء غلفت جسدي كله. وما أن انتهى الأذان» حتى بدأت أسمع همهمة وكأن أحداً يهمس في أذني: «يجب ألا تقتلي هذا الطفل».
جفلت شكرية» وأخذت فريدة تسعل بعصبية في منديل المائدة»
Twitter: @ketab_n ۳۸
وغْصّت بانو» وعبست كلثوم وتجهم وجهها. وبقيت ما _ الهيفاء فقط شاردة في أرض الأحلام» بعد أن أنهت حساءها» وراحت تنتظر باستسلام رضرل طبقها التالي:
ال واصلت زليخة قصتهاء «وأمرني هذا الصوت الغامض : «أووووووووو زليخة! أوووووو زليخة» أيتها القاتلة في عائلة قازانجي التقية الورعة! دعي هذا الطفل يعيش! فأنت لا تعرفينه بعد» لكنه سيصبح زعيماً. هذا الطفل سيكون ملكاً» .
«هذا غير ممكن»» قاطعتها المعلّمة شكرية» ولم تضع الفرصة لإظهار خبرتها» «فلم يعد هناك ملوك إننا أمة حديثة) .
«أوووو أيتها الخاطئة» هذا الطفل سيحكم الآخرين» واصلت زليخة»› متظاهرة بآنها لم تسمع الدرس. «ليس هذا البلد فقط» وليس الشرق الأوسط ودول البلقان جميعها فقط» بل العالم بأسره سيعرف اسمه. طفلك هذا سيقود الجماهير» وسينشر السلم والعدل بين البشر».
«على كل حال» فإني أزف لكم جميعكم هذا الخبر السعيد! فما زال الطفل في بطني! وبعد فترة قصيرة» سنضيف صحناً آخر على هذه المائدة) .
«لقيط!» صاحت كلشوم. «أتريدين أن تجلبي إلى هذه العائلة طفلاً بدون زواج . لقيط !».
انتشر تأثير الكلمة» مثل حصاة ألقيت في مياه راكدة.
«العار عليك! إنك تجلبين دائماً العار إلى هذه العائلة»» لوت كلثوم وجهها بغضب. «انظري إلى الحلقة في أنفك. .. كل هذا المكياج والتنانير القصيرة المثيرة للقرف» وأوه» وتلك الأحذية ذات الكعوب العالية! هذا ما يحدث عندما تتأنقين في ملبسك. . . مثل عاهرة! يجب أن
Twitter: @ketab_n ۳۹
تحمدي الله ليلاً ونهاراً؛ يجب أن تكون ممتنة لأنه لا يوجد رجال في هذه العائلة. فلو كانوا موجودين لذبحوك».
لم يكن ذلك صحيحاً تماماً. ريما ليس الجزء المتعلق بالقتل» بل الجزء المتعلق بعدم وجود رجال في العائلة. فقد كان هناك رجال. في مكان ما. لكن صحيح أيضاً أن عدد الرجال يقل كثيراً عن عدد النساء في عائلة قازانجى . وكأن عيناً حسودة وشرّيرة أصابت السلالة برمتها. إذ كانت اال پک جال ف رال غاا نارای ارد حم ری شاب وبشكل مفاجئ. فقد سقط زوج ما - الهيفاء مثلاًء رضا سليم قازانجي» فجأة ميتاً وهو في الستين› ولم يعد قادراً على التنفس . وفي الجيل التالي» مات ليفينت قازانجي إثر نوبة قلبية قبل أن يبلغ الحادية والخمسين» حاذيا حذو أبيه وجذه لأبيه. وأصبح يبدو وكأن فترة حياة الرجال في العائلة أخذت تقصر وتقصر مع كل جيل .
وكان هناك أحد أخوال أمها الذي هرب مع مومس روسية سلبته كل أمواله» ومات متجمداً في سانت بطرسبرغ؛ وانتقل قريب آخر إلى مثواه الأخير بعد أن صدمته سيارة وهو يحاول عبور الطريق السريع عندما كان مفرطاً في السكر؛ ومات أبناء الأخ وهم في العشرينيات من أعمارهم» إذ غرق أحدهم وهو يسبح سكراناً تحت ضوء البدر» ومات آخر بعد أن أصيب برصاصة في صدره كان قد أطلقها أحد الرعاع مبتهجاً بفوز فريق كرة القدم الذي يؤيده بالكأس» ومات ابن أخ آخر بعد أن سقط في خندق عمقه ستة أقدام كانت البلدية قد حفرته لترميم المجاري في الشارع . وهناك ابن عم ثان» ضياء» أطلق النار على نفسه» لسبب مجهول .
جيلاً بعد جيل» وكأنهم كانوا يمتثلون لقاعدة غير مدونة» كان الرجال في شجرة عائلة قازانجي يموتون في سن الشباب . وكان أعلى عمر وصل إليه أحدهم في هذا الجيل هو الحادية والأربعين. ولكي لا يتكرّر هذا النمط في رجال العائلة» حرص أحد أعمام الأب على أن يعيش حياة
Twitter: @ketab_n
المومسات› وعن الاحتكاك بالرعاع» وعن احتساء الكحول والمشروبات المسكرة الأخرى» وانتهى به الأمر أن سقطت فوقه كتلة خرسانية من موقع بناء صادف أنه كان يمر من تحته. وهناك جلالء أحد أبناء العم البعيدين» الذي كان حب حياة شكرية والزوج الذي فقدته في مشاجرة. فلأسباب ما زالت غير واضحة» حكم على جلال بالسجن لمدة سنتين بتهمة الرشوة. وخلال هذه الفترة القصيرة من وجود جلال في العائلةء الذي انحصر في الرسائل القليلة التي كان يرسلها من السجن» والتي كانت تتسم بالغموض الشديد وبالبعد إلى درجة أنه عندما وصل نبأ موته» وقع الخبر على الجميع باستثناء روجته» وكأنك فقدت ذراعاً ثالثة»› ذراعاً لم تکن موجودة لديك أصلا. فقد غادر هذه الحياة فى مشاجرة» لا بضربة أو لكمة وجهت إليه» بل لأنه وطأً سلكاً كهربائياً ذا فولطية عالية فيما كان يبحث عن مكان أفضل ليتفرج على السجينين الآخرين وهما يتبادلان اللكمات. وبعد أن فقدت شكرية حب حياتهاء» باعت بيتهما وانضمت إلى بيت عائلة قازانجي كمعلمة تاريخ ثقيلة الظل» تتمتع بإحساس إسبارطي من الانضباط وضبط تق كا شتت ممركة روا صد الأتتحال والفش فى المدرمة وأخذت على عاتقها شن حملة ضد التهور والطيش والعفويَة فى البيت.
الطباع» لكن المتواضع إلى درجة كبيرة. ومع أنه لم يكن واحداً من أقارب الدم» فقد كان يتمتع بصحة جيدة ورقيق القلب . ومع أنهما انا متزوجين على الورق فقط» باستثناء فترة وجيزة أعقبت شهر العسل»› کانت پانو تمضي وقتا في قناق عائلتهاء أكثر مما كانت تمضيه في بيتها مع زوجها. وكان تباعدهما الجسدي ملحوظاً للغاية إلى درجة أنه عندما أعلنت بانو أن استحالة حدوث الحمل من الناحية العملية. ومع ذلك فقد أصاب المصير
Twitter: @ketab_n ٤١
المشؤوم الذي ينتظر جميع الرجال في عائلة قازانجي التوأم في سن مبكرة. وبعد أن فقدت طفليها نتيجة إصابتهما بأحد أمراض الطفولة» انتقلت بانو للإقامة بشكل دائم في بيت العائلةء وأصبح زوجها يزورها بين الحين والآخر في السنوات التالية . وكانت بين الفينة والفينة تزوره لتطمئن عليه» كغريبة قلقة أكثر من كونها زوجة محبّة.
وبالطبع کان هناك مصطفى ٠» الابن الوحيد في هذا الجيل»ء الجوهرة التي أورثها الله هذه العائلة بعد أربع بنات» والذي كان ثمرة رغبة ليفانت قازانجي الشديدة في إنجاب صبي يحمل اسم العائلة. وهكذا نشأت الأخوات قازانجي الأربع وهن يشعرن بأنهن مجرد زائرات غير مرغوب فيهن. فقد كان أول ثلاثة أطفال فتيات . وكانت بانو وشكرية وفريدة يشعرن وكأنهن مقدمة لمجىء الشىء الأصيل» مقدمة عرضية فى حياة اوهو الت الان ا عار عل ات هى ان ا ا الخامسة» فقد كانت تعلم أن أبويها كانا يأملان بان يضرب الحظ ضربته معهما مرة أخرى. فبعد أن أنجبا صبياً أخيراًء كانا يريدان أن يريا إن كانا محظوظين في إنجاب صبي آخر.
منذ أول يوم ولد فيه مصطفى» أعتبر درة نفسية في العائلة . وأتخذت سلسلة من الإأجراءات لحمايته من المصير المشؤوم الذي ينتظر جميع الرجال فى شجرة العائلة. فعندما كان رضيعاًء أحيط بالخرزات الزرق والأحجبة لدرء العين الشريرة عنه؛ وكانت العيون مسمّرة عليه عندما أصبح طفلاً يحبو» وأرسل شعره طويلاً مثل فتاة حتى بلغ الثامنة من عمره وذلك لتضليل عزرائيلء ملاك الموت. وعندما كان يريد أحد أن يخاطب الطفلء «البنت» كانوا يقولون له: «يا بنت» تعالي إلى هنا»» ومع أن مصطفى كان طالباً جيدأًء دُمُرت معظم حياته في المدرسة الثانوية لعدم قدرته على الاختلاط بالآخرين. فقد كان ملكا في بيته» وكان يبدو أنه يرفض أن يكون ملكا بين ملوك كثيرين في قاعة صفه في المدرسة. ومع مرور الزمنء لم يعد أحد من زملائه يحبه» إلى درجة أنه عندما أرادت كلثوم أن
Twitter: @ketab_n 3
تقيم حفلة لمصطفى وأصدقائه بمناسبة تخرّجهم» لم يجدوا أحداً يوجهون إليه الدعوة.
کان شخصاً غير اجتماعي ومتغطرساً خارج بیته» ومدللاً بشکل لا يقبل الجدل مثل ملك متوّج في البيت» ومع مرور كل سنةء كن يخشين دنو الموت منه شأن جميع رجال عائلة قازانجي› إلى أن خطرت لهن فكرة جيدة وهي أن يرسلن مصطفى إلى الخارج. وبعد شهر واحد» باعت الجدة ما - الهيفاء مجوهراتها لجمع المبلغ المطلوب» وفي الثامنة عشرة
من عمره» غادر ابن عائلة قازانجی إستانبول إلى أريزوناء حیث التحقى بالجامعة ليدرس الهندسة الزراعية والنظم البيولوجية بأمل أن يعيش ليرى r
لذلك» عندما وتخت كلثوم زليخة في يوم الجمعة ذاك. أول جمعة من شهر تموز» تطلب منها أن تكون ممتنة لعدم وجود رجال في العائلةء كان ثمة شيء من الحقيقة في هذا الكلام. وردأ عليهاء لم تفه زليخة بكلمة» بل توجهت إلى المطبخ لتبحث عن الذكر الوحيد في البيت» وهو القط الفضي المبرقع النهم الذي لا يشبع أبداًء والذي كان مولعاً على نحو غير عادي بالماء» والمصاب بأعراض كابة وتوتر اجتماعية كثيرة» التي يمكن تفسيرها فى أفضل الأحوال بأنه مستقل» وفى أسواً الأحوالء بأنه عصابي . وكان اسمه الباشا الثالث. ۰
تمکنت أجيال القطط في قناق عائلة قازانجي بنجاح في أن اسل وفي أن تنجب سلالة بعد أخرى كالبشر؛ وكان جميع أفراد العائلة يكنّون لهذه القطط مودّة بدون استثناء» وبخلاف البشر»ء لم تكن تجرفها من هذه الدنيا سوى الشيخوخة. ومع أن كل قطة كانت تحتفظ بشخصيتها المتميزة» كان ثمة مورّئان اثنان متنافسان يجريان فى السلالة القطيّة فى البيت . فمن ناحية» كانت هناك المورَثة «النبيلة» الواردة من القطة القارسة البيضاء بلون البودرة» ذات الشعر الطويلء والأنف الأفطس» التي كانت
Twitter: @ketab_n ۳
ما الهيفاء قد أحضرتها معها عندما كانت عروساً شأبة في أواخر العشرينيات من القرن العشرين («لا بد أن القطة هي المهر القليل الذي حصلت عليه»» كانت النساء في الح يقلن ساخرات). ومن الناحية الأخرى» كانت هناك مورثة «الشارع؛ التي لا يعرف أحد من أين جاءت» لكن من الواضح أنها جاءت من قطة شارع بنية اللون مائلة للاصفرار» تمكنت على ما يبدو من التزاوج مع القطة الفارسية البيضاء في اليوم الذي هربت فيه من البيت. وجيلاً بعد جيل» وكأنها تتناوب على ذلك» کانت إحدى الميزات الوراثية تسود في العائلة القطيّة التي ولدت تحت هذا السقف. وبعد فترة› توقفت عائلة قازانجي عن الاهتمام بإيجاد أسماء بديلة» بل راحت تتبع شجرة النسب القطيّة . فإذا كانت الهرّة تشبه سليلة النسب الأرستقراطي» بيضاء ومكسوة بالفرو» وذات أنف أفطس» يسمونها على التوالى» الباشا الأول الباشا الثانى» الباشا الثالث. . .
إذا كانت تنتمي إلى سلالة قطة الشارع» فكانوا بظلقون عليها اسم «سلطان» اسم أرفع مقاماًء ويشير إلى الاعتقاد بأن قطط الشارع أرواح حرة تحكم ذاتها» وليست بحاجة لأن تداهن وتتزلف أحداً.
وحتی الآن» کان امتیاز الاسم» بدون استثناء» ينعکس في شخصیات القطط التى تعيش تحت هذا السقف . فقد تبين أن القطط التى تنتمى إلى طبقة النبلاء من النوع المنعزل» المحتاج» الهادئ» تلعق نفسها باستمرار» تمحي أي أثر لأي اتصال إنساني بها عندما يربت عليها أو يمسدها أحد؛ أا الت 2ة الثانية ء فكانت من النوع الفضولي والأكثر قوة ونشاطاً التي تجد متعة في وسائل ترف غريبة» مثل تناول الشوكولاتة. وكان الباشا الثالث يجسّد مزايا وخصائص نسبه العريق» وكان دائماً يمشي متبختراً وبأبهة» وکأنه کان يسير على أطراف أصابعه فوق زجاج مکسور. وکان يشغله أمران أثيران لديه» كان يمارسهما فى كل مناسبة وهما: قضم أسلاك الكهرباء» ومراقبة الطيور والفراشات» وكان يشعر
Twitter: @ketab_n ٤
بالكسل لمطاردتها. فربما شعر بالتعب إذا طاردهاء أما قضم الأشرطة ومراقبة الطيور والفراشات فلم يكن يكل أو يمل من ممارستهما. فقد قضم» أو كشط» أو بعج جميع الأسلاك الكهربائية في البيت ما لا يقل عن ثلاث مرات. ووصل الباشا الثالث إلى سن الشيخوخة المتقدمة رغم الصدمات الكهربائية الكثيرة التي تعرض لها.
«هياء يا باشاء أيها الولد الجيد». راحت زليخة تطعمه قطعاً من جبنة الفيتاء التي يحبها كثيراً. ثم وضعت مثزراً وراحت تنظف تلالاً من القدور والمقالى والصحون. وعندما أنهت الصحون وهدأت نفسهاء عادت إلى مائدة العشاء حيث وجدت كلمة «لقيط» لا تزال معلقة في الهواءء وأمَها لا تزال متجهمة .
لبشن جميعهن جالسات دون أن يأتين بأي حركة» إلى أن تذكرت إحداهن الحلوى. فعبقت رائحة حلوة لطيفة في الغرفة عندما بدأت شكرية تصبَ الرز بالحليب من قدر ضخم في أطباق صغيرة. وفيما واصلت شكرية توزيع الأطباق وكأنها تتصدق عليهن» تبعتها فريدة» وراحت ترش جوز الهند المبشور فوق كل طبق.
«كان من الأفضل بكثير لو أضيفت له القرفة»» قالت بانو وكأنها تنتتحب» «كان يجب ألا تنسي أن تشتري القرفة. . ٠.
مالت زليخة إلى الوراء في كرسيهاء ورفعت أنفها إلى الأعلى وآخذت فا غا رکا کان ت ا فن طا غر رة وعندما بدأت تزفر شعورها بالإعياء شيئاً فشيئاًء أحسّت بأن لا مبالاة «اليويو» أخذ يتباطأً ويتراخى ثانية. غاصت روحها تحت ثقل كل ما حدث» وكل مالم يحدث في هذا اليوم الطويل والجهنمي. مسحت بعينيها مائدة العشاءء وأحست بالذنب عندما رأت صحون الررّ بالحليب مكسوة برقائق جوز الهند. ثم ودون أن تحرّل نظرتها» همهمت بصوت رقيق» لم يبد أنه صوتها على الإطلاق.
«أنا آسفة . . .»» قالت: «أنا آسفة جداأً».
Twitter: @ketab_n ٤
حمص
إن السوبر ماركت مكان خطير مليء بالأفخاخ للقانطين والمنبهرين› أو هكذا قالت روز لنفسها وهي تشق طريقها إلى قسم حفاضات الأطفالء بعد أن عزمت هذه المرة على ألا تشتري شيئاً ليست بحاجة إليه حقاً. كما أن هذا ليس وقَتاً للعبث والتسكع . فبعد أن تركت ابنتها الصغيرة في السيارة عند موقف السيارات. بدأ القلق يعتريها الآن. فقد كانت تفعل أحياناً أشياء سرعان ما تندم على القيام بهاء لكنها لم تكن تستطيع أن تتراجع عنها. وقد تكررت هذه الحوادث إلى درجة مرعبة في الأشهر القليلة الماضية - لكي نكون أكثر دقة» ثلاثة أشهر ونصف الشهر. ثلاثة أشهر ونصف الشهر من الجحيم على الأرض وهي تقاوم» تكافح» تصيح› ترفض» تتوسل»› وأخيراً استسلمت مذعنة لوضع حد لزواجها. فقد يكون الزواج حماقة عابرة يخدعك» ويجعلك تعتقدين أنه سيكون زواجا أبدياًء لكن يصعب أن تقدّري هذه الدعابة عندما لا تكوني أنت من يضع حدأ له. ففي الواقع» يجب أن يستمر الزواج ويسير ببطء إلى أن يصاب بنكسة لا E ليس الأمل بأن تعيشين حياة أفضل بل الأمل بأن تنتهي المعاناة لكليكماء N TT وأن تذهب فى حال سبيلهاء کان اما ما فرت أن ل روز ا عن هن الفحف .فا كان ما کل
Twitter: @ketab_n ٦
أشبه بنفق من المعاناة التي أرغمها الله على أن تمر زاحفة عبره» فهي لن تخرج منه هذه المرة» تلك المرأة الضعيفة التي كانت في الماضي .
وكدلالة على عزمها وتصميمهاء حاولت روز أن تطلق ضحكة خافتةء إلا أنها كبتتها ولم تجعلها تتجاوز حنجرتها. وبدلاً من ذلك أطلقت تنهيدة» تنهيدة تشي بقلق أكثر مما كانت تنوي» وذلك لأنها وصلت إلى القسم الذي لم تكن ترغب في أن تأتي إليه» قسم الحلوى وألواح الشوكولاته. وعندما مرت من أمام رفوف الشوكولاتة الداكنة الخالية من السكر ذات طعم الفانيلا المخصصة للذين يراقبون الكربوهيدرات في طعامهم» توقفت على الفور. تناولت لوحا لوحين. . .ثلاثة ألواح» خمسة ألواح. لا لأنها كانت تراقب الكربوهيدرات في غذائهاء بل لأنها كانت تحب هذه العبارة» أو بدقة أكبر» كانت تحب إمكانية أن تراقب شيئاًء أي شيء» وخاصة بعد أن أتهمت مراراً بأنها رة بيت فاشلة» وأمْ شنيعة . لكن روز كانت متحمسة لإثبات العكس بأي وسيلة ممكنة.
وبلمح البصر غيّرت روز وجهة العربة» لكنها وجدت نفسها في قسم آخر من أقسام الأطعمة الرخيصة. بحق الجحيم أين هو قسم حفاضات الأطفال؟ ثم وقعت عيناها على كومة من ألواح جوز الهند المحمّْص› وكان الشيء التالي الذي عرفته هو أنه أصبح يقبع في عربتها رزمة» رزمتان. . . ست رزم. لاء يا روزء لا تفعلي ذلك. .. فبعد ظهر هذا اليوم التهمتِ ربع غالون كامل من الآيس كريم من نوع كرز غارسيا. . . لقد ازداد وزنك کثيراً. . . وإن کان هذا تحذیراً داخلياًء فإنه لم يصل بصوت مسموع . لكنه كان يضغط على زر من الإحساس بالذنب في بقعة ما من لا وعي روزء ليجعل صورة عن نفسها تنبثق في مخيلتها. ولوهلة»› توقفت وراحت تحدق في صورتها المنعكسة في مرآة خيالية» مع أنها تمكنت بمهارة من تجحاشى المرآة الحقيقية القابعة وراء رفوف الخسش الصغير . وبقلب حزين أخذت تنظر إلى ردفيها ووركيها التي ازدادت اتساعاً
Twitter: @ketab_n ۷
وعرضاًء لكنها كانت لا تزال تستطيع أن تبتهج من أجل عظام وجنتيها المرتفعة» وشعرها الأشقر الذهبي» وعينيها الزرقاوين» وأذنيها الجميلتين! فالأذن جزء من جسم الإنسان يمكن الوثوق به. فمهما ازداد وزنك» تظل الأذنان على حالهماء وفيّتان دائما.
لكن للأسف ليس هذا هو الحال مع باقي أجزاء جسم البشر. ويمكن إطلاق أي اسم على شكل جسد روز» إلا أنه لا يمكن تسميته جسداً وفياً على الإطلاق. فقد مر جسدها بسرعة في مراحل عديدة إلى حد أنها لم تعد تستطيع أن تصتفه» كما تصنّف «مجلة الحياة الصحية» أشكال الجسم لجمهور قارئاتها. فإن كانت تنتمي إلى فثة «شكل الأجاص» مثلا» فيجب أن يكون وركاها أعرض من كتفيها. وإن كانت تنتمي إلى «شكل التفاحة»» فستكون عرضة لزيادة الوزن عند البطن والصدر. وبما أن لديها صفات شكل الأجاصة والتفاحة معأًء لم تعرف روز بدقة إلى أي صنف تنتمي» إلا إذا كانت هناك فئة أخرى لم يرد ذكرها في هذه التصنيفات مثل «شكل المانغا»» التي تكون ممتلئة في جميع أنحاء الجسم وتكون أكثر اكتنازاً في الجزء السفلي . يا إلهيء قالت لنفسها. عليها أن تفقد هذه الباوندات الإضافية . فبعد أن انتهى جحيم فصل الطلاق هذا» ستصبح امرأة جديدة. بالتأكيد» قالت لنفسها. وكانت كلمة «بالتأكيد» الكلمة التى دأبت روز على استخدامها بدلاً من كلمة «نعم». ا ت «بالتأكيد لا» .
استحوذت على روز فكرة أن تفاجئ زوجها السابق وعائلته الكبيرة الممتدة بالمرأة الجديدة التى ستصبحها قريباً» وجالت عيناها رفوف الممر. ثم امتدت يدها إلى الخلوق والسكاكر ي اكاك مفحففة الك وخالية من الزبدة٠» «ستاربورست بطعم الفاكهة»» «رقائق عرق السوس الأسود». وما أن ألقت بهذه الأشياء فى العربةء حتى أخذت تغذّ الخطى وکأن أحداً يطاردها. لکن لا بد أنه کان لاستسلامها للحلوى بهذا الشكل
Twitter: @ketab_n ۸
تأثير قوي على ضميرها المعذڏب» لأنها سرعان ما كانت تجد نفسها تكافح بإحساس عميق من الندم. كيف يمكنها أن تترك طفلتها وحيدة داخل السيارة؟ مع أنها كانت تسمع كل يوم في التلفزيون أخباراً عن اختطاف طفلة من أمام بيتهاء أو عن أمٌ أتهمت بتعريض طفلتها للخطر. . . ففي الأسبوع الماضي› أضرمت امرأة من تاسكون بولاية أريزونا النار ببيتهاء وكادت تودي بحياة طفليها اللذين كانا نائمين داخل البيت. وإذا ما حدث لها شيء قريب من هذاء قالت روز لنفسهاء فإن حماتها ستصاب بالهلع . وعلى الفور سترفع شوشان» الأمّ المهيمنة» حاكمة الأسرةء ذات النفوذ» وذات القدرة الكلية» دعوى لضم حفيدتها إلى رعايتها.
في غمرة هذه السيناريوهات الكئيبة» سرت في جسد روز رجفة. صحيح أنها بدأت تسرح في آرائها قليلاً في الآونة الأخيرة» وبدأت تنسى أشياء من طبيعة مختلفة» لكن لا يستطيع أحد» بل لا يمكن لأحد يملك عقلاً سليماًء أن يّهمها بأنها أمّ سيئة! بالتأكيد لا! وستثبت ذلك لزوجها السابق ولعائلته الأرمنية الضخمة. إذ كانت عائلة زوجها السابق من بلد آخر يحمل أهله أسماء لا يمكنها أن تتهجاهاء ويحتفظون بأسرار لم تتمكن من فك رموزها. كانت روز تشعر بأنها غريبة دائماً هناك وكانت تدرك على الدوام أنها «أودار»» هذه الكلمة الصمغية التي التصقت بها منذ اليوم الأول .
إنه لشيء فظيع أن تظل مرتبطاً بشخص من الناحية العقلية والعاطفية بعد أن تكون قد انفصلت عنه جسدياً. وعندما هدا الغبار واستقر» بعد مضي فترة السنة والأشهر الثمانية على الزواج» لم يتبق لروز إلا الغضب والاستياء وطفلة.
«هذا كل ما تبقى لي ٠٠... تمتمت روز لنفسها. في الواقع» فهذا هو الأثر الجانبي المعروف عن الشعور بالمرارة المزمنة بعد الزواج : الذي يجعلك تكلمين نفسك. مهما كان الحوار الذي تتخيلينه» ولن ينضب منك
Twitter: @ketab_n ۹
معين الكلمات . وخلال الأسابيع الماضية» راحت روز تتجادل في مخيلتها مع جميع أفراد عائلة تشكمكجيانء تدافع عن نفسها بقوة» وكانت في كل مرَة تخرج منتصرة في هذا الجدال المتخيل» وتقول بحرية وبطلاقة كل ما لم تتمكن أن تقوله قبل الطلاق» وكانت تلوم نفسها لأنها لم تفعل ذلك من ل
ها هى! حفاضات الأطفال ذات القدرة الكبيرة على الامتصاص ا ما أن وضعتها في العربةء حتی رآت رجلا متوسط العمر» ذا سكسوكة وشعر بدأ يدب فيه الشيب. كان يبتسم لها. في الواقع» كانت روز تحب أن يلاحظ أحد أنها أم» وها هو الآن شخص ينظر إليهاء فارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة. مدت يدها» وهي تشعر بالسعادة» لتصل إلى صندوق كبير من الحفاضات المعطرة التى تقون على مين إى». الحمة لله آته يرج ااي رر انها وبدافع من رغبتها في الحصول على مزيد من التقدير» راحت تتمشى ذهاباً وإياباً في ممر قسم منتجات الأطفال» وها هي ذي تجد أشياء لم يكن في نيتها أن تشتريها في المرات السابقةء أما الآن» فلم تر سبباً لعدم شرائها: ثلاث قناني من مستحضر مضاد للبكتريا للقضاء على الطفح الجلدي الناجم عن الحفاضات» ولعبة صغيرة لحمَام الأطفال تطلق تحذيراً عندما تزداد حرارة الماء في الحوض»› ومجموعة من ست قطع بلاستيكية لحماية الأصابع الصغيرة» وكيس قمامة صغير مرسوم عليه قرد» وعضاضة أسنان طرية في شكل فراشة .
وضعت جميع هذه الأشياء في العربة. من يستطيع أن يدعوها أمَاً لا مبالية؟ كيف يمكنهم أن يتّهمونها بأنها لا تأبه لما تحتاج إليه طفلتها؟ ألم تتوقف عن الدراسة في الجامعة عندما ولدت الطفلة؟ ألم تبذل جهداً كبيراً لكي تحافظ على هذا الزواج؟ وكانت روز تحب أن تتذكر بين الحين والاخرء الفترة التي كانت لا تزال فيها طالبة تذهب إلى الجامعة» وعندما
Twitter: @ketab_n
کانت لا تزال عذراء» وغندما کان لا يزال جسدها رشيقاً. لقد وجذت مؤخراً عملاً في مطعم الجامعة» مما قد يساعدها في تحقيق حلمها الأولء لكنه قد لا يساعدها في تحقيق حلميها الأخرين .
ما أن وجدت روز نفسها في القسم التالي» حتى لوت وجهها. «قسم الأطعمة الأجنبية» . اختلست نظرة متوترة إلى مرطبانات غموس الباذنجان» وغلب: آوراق التب المملحة. لا باذنجان بعد الآن! لا رماس جد الاآن! لا طعام أرمني غريب الشكل بعد الآن! حتى أن مجرد رؤية الخافورما الشنيعة» كانت تجعل معدتها تهتاج وتتلبك . ومن الآن وصاعداً» ستطهو ما يحلو لها. ستطهو لابنتها أطباق الكنتاكي الحقيقية! وقفت روز دقيقة طويلة تعصر دماغها لتجد مثالا عن وجبة طعام مثالية . وأبدى وجهها شيئاً من الانشراح عندما خطر لها الهمبرغر. بالتأكيد! قالت مؤكدة لنفسها. وأيضا» بيض مقلي» وفطائر مغمسة بعصير نبات القبقب» ونقانق مع البصل»ء ولحم الضأن المشوي» نعم وخاصة لحم الضأن المشوي. . . وعوضاً عن شراب اللبن الذي يشبه الوحل» والذي كانت تتقزز من مجرد رؤيته عند كل وجبة طعام» ستشربان عصير التفاح! ومن الآن وصاعداًء ستختار هي قائمة الوجبات اليومية من المطبخ الجنوبي» فلفل حار أو لحم خنزير مدخن. .. أو حمَص. وستقدم هذه الأطباق بدون شكوى أو تذمر. وكان كل ما تحتاج إليه» رجل يجلس قبالتها في آخر النهار. رجل يحبَها حقاًء ويحبًَ الطعام الذي تعدّه. بالتأكيدء هذا ما كانت روز بحاجة إليه: حبيب بدون أحمال وأثقال عرقية» لا أسماء يصعب لفظهاء ولا عائلة لا يعد أفرادها ولا يحصون؛ حبيب جديد طازج يقذر تناول الحمَّص.
مرت فترة من الزمن أحبّت هي وبرصام أحدهما الآخر. الفترة التي لم یکن يلاحظ خلالها برصام» وبالتأکید لم يکن يمانع» أي طعام تضعه على المائدةء لأن عينيه كانتا معلقتين في مكان آخر» مثبتتين عليها» مفعمتين
Twitter: @ketab_n 0۱
بالحب . وما أن تذكرت تلك اللحظات الشبقة حتى تورّدت وجنتا روز واعتراهما الدفءء إلا أنهما سرعان ما بردتا وعاد إليهما بياضهما الطبيعي عندما تذكرت المرحلة التى أعقبت ذلك . فللأسف» دخلت عائلته الشنيعة على المسرح بسرعة لخن عه ا الأبدء ومنذ ذلك الحين بدأ حبهما يخبو. لو لم تدس عصابة تشكمكجيان أنوفها المعقوفة في زواجهاء قالت روز لنفسهاء لظل زوجها إلى جانبها. «لماذا تتطفلين دائماً على زواجنا؟» سألت شوشان» التي تخيّلتها الآن جالسة في كرسيها ذي المسند» وهي تعد القطب في البطانية التي تحيكها الآن ا لکن حماتها لم تجبها. وكرّرت روز سؤالها بشيء من الإحباط . كان ذلك حقاًء الأثر الجانبي العام لشعورها بالاستياء المزمن بعد الزواج : الذي لا يجعلك تكلمين نفسك فقط» بل يجعلك تصبحين عنيدة أيضا مع الآخرين. وحتى لو أصبحت على وشك الانهيار» فلن تنحني . «لماذا لم تتركينا في حالنا؟» طرحت روز السؤال نفسه على كل أخت من أخوات زوجها الثلاث - العمَة سوربان» والعمة زاروهي» والعمة فارسينيغ - وهي تحذق في مرطبانات البابا غنوج المصفوفة على رفوف البقالة.
تركت روز قسم الأطعمة الأجنبية» واستدارت واتجهت بسرعة إلى القسم التالي. وبدافع من شعورها بالغضب والكآبة» راحت تتنقل بين جانبي ممر قسم الأغذية المعلبة والفاصولياء الجافة» واصطدمت بشابَ كان واقفاً فى الممر» ينظر إلى الرف الذي تصطف عليه أصناف مختلفة من الحمَص . بالتأکید لم یکن هذا الرجل واقفاً هنا قبل ثانيةء قالت روز في نفسها. يبدو أنه تجسّد هناء وكأنه هبط من السماء. كانت بشرته فاتحة اللون» وجسمه رشيقاً ومتناسقاًء وعيناه بلون البندق» وأنفه مدبباًء مما جعله يبدو شخصا حذراً وجدياً. وكان شعره الذي يشبه شعر السمور قصيراً. خيّل إلى روز أنها كانت قد رأته في مكان ما من قبل» لكنها لم تتذكر أين ومتى .
Twitter: @ketab_n ۲
«إنها جيدة» أليس كذلك؟» سألته روز» وأضافت» «لكن لسوء الحظ
لا يقذرها الجميع'.
عندما خرج من تأمله» أجفل الشاب والتفت إلى المرأة ذات الوجه الوردي» المكتنزة الواقفة إلى جانبه» وهي تمسك في كل يد علبة حمَص وقد احمرَ وجهها خجلاً. وعندما فوجئ وأخذ على حين غرة» لم يستطع أن يستعيد حذره الذكوري بسهولة .
«آنا آسف. . .» قال» وأمال رأسه إلى اليمين» وقد تشنجت عضلات وجهه على نحو لا إرادي» فسّرته روز بأنه دلیل على الخجل .
ابتسمت روز لري الشاب أنها سامحته» ثم نظرت إلى وجهه بسرعة كومضة» مما زاده توتراً وعصبية . فبالإضافة إلى تعبير الأرنب الرقيق الذي كساها الآن» كان يكسو روز ثلائة أشكال أخرى تشبه الحيوانات كانت توحي لها بها الطبيعة الأم» وكانت تستخدمها بالتناوب في جميع تعاملاتها مع الجنس الآخر: تعبير الكلب الوفي» الذي كانت تختاره عندما تريد أن تنقل مشاعرها المخلصة التامة؛ وتعبير السنور الشيطاني» الذي كانت تستخدمه عندما تريد أن تغوي أحداً؛ وتعبير ذئب البراري المشاكس» الذي كانت تستخدمه عندما يوجه إليها أحد انتقاداً.
«أوه» أنا أعرفك!» وارتسمت على وجه روز ابتسامة مِلء شدقيهاء سعيدة بذاكرتها. «كنت أعصر دماغى وأنا أتساءل أين رأيتك من قبل. لقد تكرت الها نك ال فى محلدت | اند يوء مح اراهن أنك ت دجاج کیسدودیا!؛ .
ألقى الشاب نظرة باتجاه الممر» وكأنه يفكر في الهرب في أيي لحظةء لكنه لم يكن يعرف في أي اتجاه سينطلق .
«إني أعمل ساعات قليلة في محل شواية الصبّار» - بذلت روز جهداً لقساغده على القذكر لطم الكبير في الطابق الثاني سن تى ااه
Twitter: @ketab_n o
الطلاب» أتذكر؟ إني أقف عادة وراء الكاونتر حيث نقدم الطعام ساخناً - عجة وكيسدوديا كما تعرف . إني لا أعمل طوال الوقت» طبعأء فهم لا يدفعون كثيراً لكن ماذا على المرء أن يفعل؟ إنه شىء مؤقت فقط . أريد أن أصبح معلمة مدرسة ابتدائية» . ۰
بدأ الشاب يتفخص الآن وجه روز وكأنه يريد أن يحفظ تفاصيل قسماته عن ظهر قلب لكي يستعيدها في المستقبل .
في جميع الأحوالء لا بد أني رأيتك هناك أنهت روز كلامها. ضيقّت عينيهاء» وبللت شفتها السفلى» وانتقلت إلى تعبيرها الكلبي وقالت : «لقد تركت العمل عندما أنجبت طفلتي في العام الماضي» لني حاون أن أعود إلى الجامعة الأن. ..).
«أوه» حقا؟» قال الشاب» لكنه أغلق فمه على الفور. لو كان لدى روز أي تجربة سابقة مع الأجانب لاكتشفت مقدمة الفعل المنعكس بالنسبة للأجنبي - وهي عدم الدخول في حديث خشية ألا يستخدم الكلمات الصحيحة في الوقت المناسب» أو يلحن في لفظها.
إلا أنه كانت لدى روز» منذ أن كانت في سن المراهقة» نزعة للافتراض بأن كل شىء حولها يكون إما عنها أو من أجلها أو ضدها. للك فرت الصمت بان امار ةغل عام فدرتها على قدي ننا بشكل لائق. ولكي تستدرك خطأها» مدت يدها.
«أوه» أنا آسفة. نسيت أن أقذَم نفسي . اسمي روز».
(مصطفى . . ٠. ابتلع الشاب تفاحة أدم خاصته» التي أخذت تعلو وتهبط بسرعة .
«من أين أنت؟» سألته روز.
«من إستانبول»» أجاب باقتضاب .
Twitter: @ketab_n o
لو كان لدى مصطفى أي تجربة سابقة في التعامل مع الريفيين» لأمكنه أن يكتشف مقدمة الفعل المنعكس لديهم - الخوف من ألا توجد لديهم معرفة كافية بجغرافية العالم أو تاريخه. حاولت روز أن تتذكر أين تقع إستانبول على سطح الكرة الأرضية. هل هي عاصمة مصر أو ربما مدينة في الهند. . .؟ عبست مشوشة التفكير .
أما مصطفى» فقد كان الخوف يتملكه منذ أن كان مراهقاً من أن يفقد قبضته على الزمن وأن يفقد جاذبيته نحو النساء. لذلك فسّر بادرتها بأنها دليل على أن روز انتابها الملل لأنه لم يقل شيئاً مثيراً للاهتمام» ولاستدراك ذلك أسرع يقاطعها .
اتر يقابك با روزا فاك عاطا الأحرف الصوتة رة رة كا راف .ف ان انف ان .ء٤
وبسرعة كبيرة أعاد علب الحمَص» وحذق في ساعته» وأمسك سلته وغادر مسرعاً. وقبل أن يختفي» سمعته روز يهمهم «باي ۔ باي»» ثم سمعته یقول وکأنه یردد صدی نفسه» «باي - باي» أخرى . وانطلق .
بعد أن فقدت روز هذا الرفيق الغامض» أدركت فجأة أنها أضاعت وقتاً طويلاً في السوبرماركت. فأمسكت عدداً من علب الحمَص» بما فيها العلب التي تركها مصطفى» وهرعت إلى صندوق الدفع . عبرت قسم المجلات والكتب» ورأت هناك شيئاً كانت بحاجة ماسة إليه: أطلس العالم الكبير. وقد كتب تحت العنوان الرئيسي: أطلس رايات العالم» حقائق وخرائط تساعد الآباء والطلاب والمعلمين والمسافرين في أنحاء العالم . أمسكت الكتاب» وراحت تبحث عن «إستانبول؟ فى الفهرس» ويعد أن عثرت على الصفحة المطلوبةء نظرت إلى الخريطة لترى أين تقع .
عند موقف السيارات» وجدت سيارة الجيب تشيروكي ۱۹۸٤ الزرقاء اللون وهي تغلي ټحت أشعة شمس أريزونا فيما طفلتها الصغيرة تغط في النوم في داخلها.
Twitter: @ketab_n 9
«آرمانوش› استيقظي يا حبيبتي› لقد رجعت ماما» .
تحركت الطفلة قليلاًء لكنها لم تفتح عينيهاء حتى عندما أخذت روز تمطر وجهها بالقبلات . كان شعرها البني الناعم مربوطاً بشريط ذهبي كبير يكاد يكون بحجم رأسهاء وكانت ترتدي ثوباً أخضر من الريش المزيّن بأشرطة وردية وأزرار أرجوانية. بدت مثل شجرة عيد ميلاد قزمة فام
«هل أنت جائعة؟ ستطهو لك ماما طعاماً أمريكياً حقيقياً الليلة!» قالت روز وهي تضع الأكياس البلاستيكية في المقعد الخلفي» وأبقت علبة من حلوى جوز الهند قريبة منها لكي تأكل منها في الطريق . رتبت شعرها في المرآة الخلفية› ووضعت شريط کاسیت كانت تحب أن تستمع له في تلك الأيام» وأمسكت حفنة من حلوى جوز الهند قبل أن تشعّل المحرّك.
«هل تعرفين أن الرجل الذي التقيت به الآن في السوبرماركت هو من ترکیا؟ ٩! قالت روز» وهي تغمز لابنتها في المرآة الخلفية. كان يبدو أن كل شيء في طفلتها على ما يرام: أنفها الذي يشبه حبة الررًّء يداها الملفوفتانء قدماهاء كل شىء فيها باستثناء اسمها. فقد أرادت عائلة زوجها أن تسمي الطفلة باسم أمٌ جدتها. وكم حزنت روز لأنها لم تطلق على ابتتها اسماً أقل غرابة» مثل آني أو کاتي أو سيندي» بدلا من أن تقبل االات الاي و اوا هان كرون العف اتم ن لرا أما اسم «آرمانوش» فهو أبعد ما يكون عن ذلك. فقد بدا الاسم . . . باردا جداًء ربما کان يلائم امرأة عجوزاً. هل يجب على روز أن تنتظر حتى بشيء يثقب لسانها؟ دحرجت روز عينيهاء والتهمت قطعة أخرى من الحلوى. وهنا خطر لها خاطر: فبدءاً من الآن ستنادي ابنتها «آمي»» وكجزء من مراسم المعمودية› أرسلت إلى طفلتها قبلة في الهواء.
Twitter: @ketab_n 01
عند التقاطع التالي انتظرتا إشارة المرور حتى تتحول إلى اللون الأخضر. راحت روز تنقر على المقود» ترافق غلوريا إستيفان في الغناء .
لا يوجد حب جديد لديء کل شيء في هرج ومرج
ما جری قد جری» والآن جاء دوري کي أبتهج. . .
¥ ¥ ¥
وضع مصطفى المواد القليلة التي اختارها أمام أمينة الصندوق : زيتون كالاماتاء سبانخ مجمّد» وبيتزا بجبنة الفيتاء وعلبة حساء الفطر» وعلبة حساء بكريم الدجاج» وعلبة حساء دجاج بالمعكرونة الرفيعة. فمنذ وصوله إلى الولايات المتحدة» لم يطه شيئاً مطلقاً. وكلما كان يعمل في المطبخ الصغير في شقته المؤلفة من غرفتين» كان يتملكه شعور بأنه مثل ملك مخلوع يعيش في المنفى. فقد ولت الأيام التي كانت تخدمه وتطعمه جدته وأمّه وأخواته الأربع الوفيات . أما الآنء فقد أصبح غسيل الصحون» وتنظيف الغرف والكوي والتسوّق بشكل خاص» عبئاً ثقيلاً جداً على کاهله. ولم يکن من السهل أن يتخلّص من الشعور بأ شخصاً آخر يجب أن يفعل له هذه الأشياء. فلم يعتد على القيام بهذه الأعمال» أكثر من اعتياده على الوحدة.
وكان يشارك مصطفى في الشقَة» طالب جامعي أندونيسي› لا یکاد يفتح فمه. وكان منكباً دائماً على دراسته» وينصت إلى أشرطة غريبة مثل «خرير جداول الجبل» أو «أغاني الحيتان»» في كل ليلة حتى ينام . کان مصطفی یتمنی أن يكون لديه رفيق يشاركه في البيت» ليخفف عنه مشاعر وحدته في أريزوناء لکن ما حدث کان الکن اا ففي الليل» عندما يكون وحيداً في سريره تبعده آلاف الأميال عن عائلته» لم يكن بوسعه مقاومة الأصوات التي تتلاطم داخل رأسه. الأصوات التي تسأله وتوجه إليه اللوم لأنه هكذا. ولم يكن ينام نوماً هانئاً. وكان يمضي ليال كثيرة
Twitter: @ketab_n 0¥
وهو يتفرج على مسلسلات كوميدية قديمة» أو يبحر في الإنترنت. ؤهي أشياء كانت تساعده كثيراً. وعندها فقط كان يتوقف عن التفكير بهذه الأمورء التي لا تني تعود مع ضوء النهار التالي. وكان يذهب من البيت إلى الجامعة سيراً على الأقدام» وفي فترات الاستراحة أو أثناء فترة الغداءء کان مصطفی یجد نفسه یفکر بإستانبول. وکان یتمتّی أن یتمکن من محو ذاكرته» ويزيل جميع الملفات فيها ليعيد تشغيل برنامج رأسه من جديد.
وكان من المفروض أن تنقذه أريزونا من المصير السيء الذي حل بجميع الذكور في عائلة قازانجي. لكن مصطفى لم يكن يؤمن بهذه المعتقدات . فقد كان التخلى عن هذه الخرافات جميعها: الخرزات لدرء العو الف ورا حجان العمرة وجليات ر ايخ فى اه اختياراً واعياً منه أكثر من أن يكون رذ فعل تلقائي . وکان یری أنها جميعها جزء من عالم مظلم ومعقد يخص النساء فقط .
وفي جميع الأحوال» كانت النساء لغزاً. فبعد أن نشأً وتربى مع عدد من النساء» كان من الغرابة أن يشعر بالجفاء والابتعاد عنهن طوال حياته .
فقد كان مصطفى قد نشأ وتربى على أنه الصبي الوحيد في عائلة يموت رجالها في سن مبكرة وعلى نحو مفاجئ ودون توقع أيضاً. وکانت تعتريه رغبات جنسية متزايدة وهو محاط بأخوات حُرّْمن عليه حتى من حياة التخيّل. ومع ذلك فقد انزلق في مهاوي أفكار شنيعة عن النساء. ففي بادئ الأمر» كان مصطفى يغرم بالفتيات اللاتي كن يرفضنه. وبما أنه كان يخشى أن ترفضه الفتيات» أو أن يسخرن منه» أو يحتقرنه» بدأ يتوق إلى جسد الأنثى من بعيد. وفي هذه السنة» بدأ يتفرج بتوتر على صور عارضات في مجلات أمريكية ذات صفحات مصقولة» وكأنه فهم الحقيقة المبرّحة بأنه لا توجد امرأة بهذا القدر من الجمال سترغب به أبداً.
ولن ينسى مصطفى تلك النظرة العنيفة التي برزت على وجه زليخة عندما قالت له إنه «أير لا يقدر بثمن». فلا يزال إحراج تلك اللحظة يحترق
Twitter: @ketab_n 0۸
فى داخله حتى اليوم. فقد كان يعرف أن زليخة تستطيع أن ترى ما وراء ذكورته المفروضة عليه» وترى قصّة تربيته الحقيقية .
فقد كانت تعرف أنه صبي مدلل تلقمه بالملعقة أمّ مضطهدة يهددها ويضربها أب مستبد. فقد قالت له: «لقد أصبحت في نهاية الأمر نرجسياً ولا تشعر بالأمان». هل كان بالإمكان أن تكون الأمور مختلفة بينه وبين زليخة؟ لماذا كان يعتريه شعور بالرفض والكره رغم وجود عدة أخوات وأمٌ خرفة إلى جانبه؟
كانت زليخة لا تفتأً تهزأً بمصطفى» وكانت أمّه لا تفتأً تبدي إعجابها به. وکان يرغب في أن يكون رجلا عادياً جيداً وغير معصوم في الوقت نفسه. وكان كل ما يحتاج إليه الحنان وأن تتاح له الفرصة لأن يكون شخصاً أفضل. كم كان يتمنى أن تكون لديه امرأة تحبّهء لتغْيّر كل شيء. کان مصطفی يعرف أنه يجب أن يعيش في أمریکا لا لأنه كان يريد أن يحقق مستقبلاً أفضل» بل لأنه كان يريد أن يتخلأّص من ماضيه .
«كيف حالك؟» سألته أمينة الصندوق الصبية بابتسامة على وجهها.
کان هذا شيئاً لم يعتد عليه مصطفى بعد. ففي أمريكا يسأل كل شخص الآخرعن م ج لو كان غ ا تماماً. وعرف أن هذه الطريقة هي لإلقاء التحية أكثر منها سؤالاً حقيقياً عن الصحة. لكنه لم يكن يعرف كيف يرد التحية بالسهولة النلمحة ذاتها .
«أنا بخير» شكراً» قال» «كيف حالك؟».
ابتسمت الفتاة. «من أي بلد أنت؟».
قال مصطفى لنفسه سيأتي يوم سأتحدث فيه بطريقة لن يسألني فيها أحد هذا السؤال الوقح لأنهم لن يظنواء حتى للحظة واحدةء أنهم يتكلڵّمون مع شخص أجنبي. حمل كيسه البلاستيكي وخرج .
#*#¥##
Twitter: @ketab_n 0۹
عبر الرصيف شاب وشابة من أمريكا اللاتينية» هي تدفع طفلاً صغيراً في عربة» وهو يمسك بيد طفل . كانا يمشيان الهوينى فأخذت روز تراقبهما بعين مليئة بالحسد. فبعد أن انتهى زواجهاء كان يبدو لها أن كل رجل وامرأة تراهما يعيشان في منتهى السعادة.
(«أتعرفين؟ أتمتّى أن تراني جدتك - الساحرة أغازل ذلك التركي. هل N ا
لم تكمل روز جملتها لأن فكرة خبيثة طرأت لها على الفور. كان لون إشارة المرور قد تحرّل إلى الأخضرء وبدأت السيارات أمامها تتقدم» وأطلقت الخاحة وراعشا زمررا. لكن روز ظلت واقفة في مكانها ولم تتحرك . كانت المخيّلة لذيذة إلى درجة أنها لم تستطع أن تتحرك. وبدأت تتداعى إلى رأسها صور شتى» فيما أضاءت عيناها بشعاع من الغضب الخالص بزاوية منحرفة . كان هذا في واقع الأمر» ثالث تأثير جانبي نتيجة الإحساس بالقنوط المزمن بعد الطلاق: فهو لا يجعلك تتكلمين مع نفسك ومشاكسة الآخرين فقط» بل يجعلك أيضأ لا عقلانية وغير منطقية. فما إن تشعر المرأة بالسخط المبرّر» حتى ينقلب العالم رأساً على عقب» ويصبح اللامنطقى منطقياً تماماً .
أيها الثأر الجميل. إن البرء يحتاج إلى فترة طويلة» استثمار مجز لكنه روز هو أن تفعل شيئأًء أي شيء» لكي تثير حفيظة حماتها السابقة. ولا يوجد شيء على وجه الكرة الأرضية يمكنه أن يثير حنق النساء في عائلة تشكمكجيان أكثر من «أودار»: أي رجل تركي! يمكنك أن تجدي رجلا تركياً في وسط صحراء أریزونا؟ فهم لا يعيشون
Twitter: @ketab_n
على نبات الصبّار» أليس كذلك؟ كتمت روز ضحكة» فيما تحوّلت قسمات وجهها من الإحساس بالشكر إلى الشعور بالامتنان الشديد. يا لها من مصادفة رائعة تلك التي جلبها لها الحظ بالتعرف على شاب تركي. يا لها من مصادفة؟
تحركت روز إلى الأمام وهي تدندن مع الأغنية. لكنها بدلا من أن تدطلق فى طريقها مباشرة» انعطفت إلى اليسارء واستدارت استدارة كاملة› ا ا الطريق الآخر» أسرعت في الاتجاه المعاكس .
أيها الحبٍ البدائي» أريد ما كان في الماضي .
وبسرعة كبيرة وصلت سيارة الجيب التشيروكي موديل ۱۹۸٤ إلى مکات قوف ستارات سر رارکت فرای:
لا يجب علي أن أفكرء فقد أوصاتني الآن إلى الحافة
هذه هي كلمة الوداع للأوقات التي بكيت فيها. . .
استدارت السيارة في شكل نصف دائرة» ثم ناورت بشكل مستعرض› وبهذه الطريقة وصلت إلى بوابة الخروج من السوبرماركت. وما أن بدأت روز تفقد الأمل في العثور على الشاب حتى لمحته واقفاً ينتظر بصبر عند موقف الحافلات وإلى جانبه كيس بلاستيكي رقيق .
(هيه» موصطفى!» صاحت روز» ومدت رأسها من النافذة المفتوحة إلى نصفهاء «هل تريد أن أوصلك؟».
«بالتأكيد» شكراا» أوماً مصطفى» وبذل محاولة ضعيفة ليصحح
يقة لفظها : «اسمي مصطفی) .
عندما أصبح داخل السيارة» ابتسمت روز وقالت: «مصطفى» هذه ابنتي» آرمانوش. . . لكنني أناديها آمي! آمي» هذا مصطفی» مصطفی هذه امی. . .).
Twitter: @ketab_n 1
فيما راح الشاب يبتسم في وجه الطفلة التي كان النعاس يغالبهاء تمعنت روز في وجهه لتكتشف فيه علامات فارقة» لكنها لم تستطع أن تجد أي علامة مميّزة. لذلك قرّرت أن توحي له بفكرة أخرى» هذه المرة فكرة أشد وضوحاً: «اسم ابنتي الكامل آمي تشكمكجيان».
لم تظهر على وجه مصطفى أي دلالة على أن هذه الكلمات أوحت له بأي شيء سلبي . لذلك أحست روز بضرورة أن تكرر ذلك فلعله لم يفهم قصدها في المرة الأولی: «آرمانوش تشکم - کشیان».
عندها فقط برقت عينا الشاب لكن ليس بالطريقة التي كانت تتوقعها روز.
اتشاك ماك شيانء تشاك عاك جى.. .| هيه إنه بشبه اسا تركيا» صاح بسعادة.
«حسناًء في الحقيقة إنه اسم أرمني»» قالت روز» وفجأة اعتراها شيء من القلقء «أقصد أبوهاء زوجي السابق؟» وابتلعت ريقها بصعوبة» وكأنها تحاول أن تتخلص من کن خا ن فمها. «كان»ء أقصده إنه» أرمني» .
«أيوه؟» قال بلا مبالاة.
لم يفهم الأمرء أليس كذلك؟ سألت روز نفسها وهي تعلك اللحم داخل فمھا. وکما لو كانت تطلق َمْسا مکبوتاً منذ زمن بعيد في حنجرتهاء أطلقت شهقة ضاحكة .
لكنه لطيف. . . لطيف جداً. . . سيكون ثأري الجميل! قالت لنفسها.
(اسمع»» قالت روز» «لا أعرف إن كنت تحب الفنْ المكسيكي» لكن سيفتتح معرض للفن المكسيكي ليلة غد. إذا لم تكن لديك خطط أخرىء فیمکننا زیارته» ثم نتناول شیئا بعد ذلك .
«الفنْ المكسيكي . . .؟» توقف مصطفى .
Twitter: @ketab_n 1۲
«الأشخاص الذين زاروه في مكان آخر قالوا إنه جيد جدا»» قالت o «ما رأيك. . . هل تريد أن تأتي معي؟» .
«الفنْ المكسيكي . . . !» رذد مصطفى بثقة . «بالتأکيد. لِم لا؟» :
«رائع»» قالت روز مبتهجة . «لقد سررت بلقائك» يا مو صطفى»› قالت» محرّفة اسمه ثانية. لكن هذه المرة لم يشعر مصطفى بالحاجة لأن يصخح لها اسمه.
Twitter: @ketab_n 1۳
۳
سڪز
«هل هذا صحيح؟ أرجو أن يقول لي أحد إن هذا غير صحيح»» صاح العم ديكران ستامبوليان عندما فتح الباب بقوة» واندفع إلى غرفة الجلوس»› باحثاً عن ابن أخيه أو بنات أخته أو أي شخص يمكن أن یواسیه. کانت عيناه الداكنتان جاحظتين بعض الشىء من شدة الانفعال والتوتر. وكان شاربه الكت معقرفا فيلا عند طرفي مما جعله واو وکانه ببسي خن وهو يستشيط غضبا.
«أرجوك هدئ من روعك واجلس يا عم٤» تمتمت العمّة سوربان» أصغر الأخوات في عائلة تشكمكجيان» دون أن تنظر في عينيه مباشرة. وبما آنها كانت الشخص الوحيد في العائلة التي أيّدت زواج بارسام من روز بقوة» فقد شعرت أن اللوم يقع عليهاء علماً أنها لم تكن معتادة على أن تنحي باللائمة على نفسها. وكانت سوربان تشكمكجيان» أستاذة العلوم الإنسانية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي» امرأة تتمتع بثقة كبيرة بنفسهاء ومن أنصار تحرر المرآة ومساواتها مع الرجل» وتؤمن بأنه يمكن حل جميع المشاكل في هذا العالم عن طريق الحوار والعقل. ومرت أوقات جعلها هذا الاعتقاد تشعر بالوحدة في عائلة مزاجية مثل عائلتها.
نفذ دیکران ستامبولیان ما طلب منه» وألقی بنفسه في كرسي فارغ» وراح يقضم أطراف شاربيه. كان أفراد العائلة جميعهم متحلقين حول
Twitter: @ketab_n 1٤
طاولة قديمة مصنوعة من خشب الماهوغوني TT الطعام» مع أن أحداً لم يكن يتناول شيئاً. وكانت طفلتا العمْة فارسينيغ التوأمين تغطان في النوم على الأريكة . وكان ابن العم البعيد كيفورك کارا کاراوجلانیان هناك أيضاًء بعد أن قدم بالطائرة من مينيبوليس لحضور مناسبة اجتماعية تنظمها جالية الشباب الأرمنية في منطقة الخليج (۸۲۴4 yة8). وخلال إالأشهر الثلاثة الماضية› حضر كيفورك جميع المناسبات التي نظمتها الجالية بدافع من الإحساس بالواجب - حفلة موسيقية خيرية» رحلة سنوية› حفلة عيد الميلادء حفلة ليلة الجمعةء الاحتفال الشتوي السنوي» فطور يوم الأحد» وسباق الطوافات لصالح السياحة البيئية في يريقان. وكان العم ديكران يشك في أن مجيء ابن أخيه الوسيم إلى سان فرانسيسكو كثيرأء لم يكن بسبب التزامه بحضور هذه المناسبات فقط› بل لأنه كان يريد أن يبث أيضاً مكنونات صدره لفتاة التقى بها في الجالية .
أخذ ديكران ستامبوليان يحدّق بشغف في الطعام الذي تمتلئ به المائدةء ومد يده إلى جرّة صغيرة مليئة بالعيران» ووضع فيهاء مثل الأمريكيين» قطع ثلج كثيرة. وفي الأطباق الفخارية المتعددة الألوان والأحجام» كان يقبع العديد من أطباقه المفضلة : فاصوليا بيلاكي» كادين بودو كوفتاء كارمياريك»› وتشوريك مُعَدَ حديثا» ولبهجة جة العم ديكران» بسطرما . ورغم أنه کان یشتعل غضباًء فقد هفا قلبه عندما رأى البسطرماء وذاب تماماً عندما رأى طبقه المفضّل إلى جانبه: بورما.
ورغم أن طعامه كان تحت مراقبة زوجته الصارمة على الدوام» كان العم ديكران يضيف في كل سنة طبقة أخرى من الشحم إلى كرشه التي أصبحت بارزة بشكل فاضح» وأضحت تشبه جذع شجرة تضيف إليها حلقة من حلقات النمو في كل سنة. وبعد أن أصبح بديناً الآن ذا كرش كبيرة» لم يعد يكترث بأي من هذين الأمرين. وقبل سنتين» عرض عليه أن يمثل دوراً في أحد الإعلانات التجارية للباستا. وأدى دور طاه مرح» لا
Twitter: @ketab_n
تستطيع حتّى خطيبته التي خذلته» أن تثبط من روحه المرحة» ما دام يحتفظ بمطبخه ويستطيع أن يطهو قدراً من السباغيتي . وبالفعل» وکما متّل في الإعلانات التجارية» كان العم ديكران رجلا خفيف الظل» مرحاً إلى درجة كبيرة إلى حد أنه عندما كان أصدقاؤه يريدون إثبات القول المعروف بن البدينين أشخاص يتمتعون بخفة الظل وبروح مرحة أكثر من الآخرين › کانوا يستشهدون به. أما اليوم» فلم یکن العم دیکران على سجیته .
«أين بارسام؟» سأل العم ديكران مادا يده ليتناول كفتة من فوق التلةء «هل يعرف ماذا تنوي أن تفعل زوجته؟» .
«زوجته السابقة)» قالت العمَّة زاروهى مصححة. فبما أنها كانت معلمة جديدة في مدرسة ابتدائية تتصارع طوال النهار مع أطفال ناکین لم تكن تستطيع أن تمسك نفسها عن عدم تصحيح أي خطأً تسمعه.
لانعم» السار بقة! باستشنا ا ء أنها لا ڌ تعترف بذلك! هذه المرأة معتوهة› أقول لكم . إنها تفعل ذلك عن قصد. إن لم تكن روز تفعل ذلك لتغيظناء فیس اسم دیکات نها آوجدوا لی اسما ارا
«إنك لست بحاجة إلى اسم آخراء قالت العمَّة فارسينيغ» تواسي عمّهاء «لا شك أنها تفعل ذلك عمداً. . .»
يجب أن ننقذ آرمانوش)» قاطعتها الجدة شوشان» كبيرة العائلة. نهضت وتركت المائدة» وجلست على كرسي ذي مسندین . ومع أنها كانت طاهية ممتازة» فلم تعد لديها شهية جيدة للأكلء ويدأً القلق يعتري بناتها مؤخراً لأنها وجدت طريقة ما لكي تعيش بأقل قدر من الطعام قد لا يتجاوز ملعقة شاي في اليوم. كانت امرأة قصيرة» ناتئة العظام» وتتمتع بقَرّة استثنائية لمعالجة حالات أشد تعقيداً وهولا من هذه الحالةء وكان وجهها الرهيف يشغ بهالة من القوة والسلطة. كانت ترفض الاعتراف بالهزيمة مهما بلغت» وتعتقد اعتقاداً جازماً بان الحياة كفاح لا يتوقف›
Twitter: @ketab_n 11
لكن إذا كان الأمر يتعلق بأرمني تصبح أشد صلابة ثلاث مرات» وقد حيرت قدرتها على استمالة كل من تصادفه طوال تلك السنين الكشثيرين في عائلتها .
«لا يوجد شىء يعادل أهمية أن تبقى الطفلة فى صحة جيدةا» دمدمت لحد رشان وهي تفاعت القلادة القضة للقديس أنطرن الى تملقها دافا ل را ا ا هذا القديس» شفيع الأشياء افر ف رات كثيرة في التغلب على الخسارات التي تعرضت لها في حياتها.
هنا أخذت الجدة شوشان أبر حياكتها وجلست. وتدلت شلة الصوف وهي تحيك بطانية زرقاء اللون للطفلة التي حاكت على حافتها الحروف اا أ. ك. ساد صمت لوهلة» ومثل جميع من كان في الغرفة» O O فقد أثرت حياكة الجدة شوشان على + جميع أفراد العائلة وكانت بمثابة جلسات علاج جماعية. eo as ويشعره بالاطمئنان» مما جعلهم يشعرون بأن الجدة شوشان ما دامت تواصل الحياكة» فلا خوف من وقوع مكروه» وكان الجميع على ثقة بأن کل شيء سیکون على ما یرام .
«إنك على حق يا آرمانوش الصغيرة المسكينة)» قال العم ديكران الذي كانء كقاعدة عامة» يصطف إلى جانب شوشان فى أي خلاف عائلي» لأنه يعرف جيداً أنه من الأفضل ألا يخذل كبيرة العائلة التي تتمتع بنفوذ مطلق . خفْض العم ديكران صوته عندما سأل: «وماذا سيحل بذلك الحمل الوديع؟».
قبل أن يجيبه يجيبه أحد» سمع صوت خشخشة عند العتبة» ثم فتح الباب بالمفتاح ا کان وجهه شاحباً» وعیناه تحدّقان بقلق من وراء الكؤوس ذات الحواف الذهبية.
Twitter: @ketab_n 1۷
«هاه! انظروا من جاء!» قال العم دیکران» «سيد بارسام» سيربي ترکي ابنتك وأنت لا تحرك ساکناً. . . آموت!».
«وماذا بوسعي أن أفعل؟» قال بارسام تشكمكجيان بنبرة حزينة» والتفت إلى عمه. نقل عينيه إلى لوحات مستنسخة ضخمة لرسوم طبيعة N وكأن الرد الذي كان يبحث عنه مخفي في اللوحة. لکنه بدا أنه لم يجد أي عزاء في اللوحة» لأنه عندما بدأ يتكلْم» کان صوته قد خلا من أي عزاء كما من قبل» فقال: «لا يح لنا أن نتدخل . إن روز أمَها».
«أمان! يا لها من أمٌ!» ضحك ديكران ستامبوليان. بالنسبة لرجل بحجمه» كانت لديه ضحكة حادة مجلجلة على نحو غريب - وهو شىء يعرفه جيداً ويستطيع التحكم بهاء إلا عندما تعتريه الكابة والإجهاد. ۰
«وماذا ستقول تلك الحمل الوديع لأصدقائها عندما تكبر؟ أبي بارسام تشکمکجیان» وعم أبي دیکران ستامبولیان» وأبوه فارفانت إیستانبوليان› د سمي آرمانوش تشكمكجيان» وکل من في شجرة عائلتي يحمل اسم شي ان ونا حفيدة الناجين من الإبادة الجماعية التي فقدت جميع أقاربها على يد الجزارين الأتراك في عام ١١١۱ء لكني تعرضت إلى غسيل دماغ وأصبحت أنكر حدوث المجازر لأني تربيت في كنف رجل ترکي يدعى مصطفى! يا لها من مهزلة؟ . . . «‘marnim khalasim! «o .
توقف دیکران ستامبولیان وراح ینظر بإمعان إلی ابن أخیه لیری مدى تأثير كلماته عليه. لکن بارسام لہ لبث واقفاً دون أن يأتي بحركة وكأنه صخرة .
«اذهب يا بارسام!» صاح العم ديكران بصوت أعلى هذه المرة» «استقل الطائرة إلى تكسون هذه الليلة وأوقف هذه المهزلة قبل أن يفوت الأوان. تكلم مع زوجتك. هيده!٠.
Twitter: @ketab_n 14
«الزوجة السابقة!» صححت له العمَّة زاروهي» وهي تتناول قطعة بورماء «آه» يجب ألا آكل هذه ففيها كمية كبيرة من الشكر مليثة بالسعرات الحرارية . لماذا لا تجربين المحليات الاصطناعيةء يا أمّي؟» .
«لأني لا أسمح بأن يدخل مطبخي شيء اصطناعي»» أجابت شوشان تشكمكجيان . «كلي كما يحلو لك حتى تصابي بالسكري عندما تتقدمين في العمر. لکل شيء موسمه».
«حسناًء أظن أني لا أزال في موسمي لتناول السكر» غمزت لها العمَة زاروهي» لكنها لم تجرؤ على تناول قطعة بورما كاملة» بل أكلت نصفها. وبینما کان فمها لا یزال يمضغ› التفتت إلى أخيها وقالت: «في جميع الأحوالء ماذا تفعل روز في أريزونا؟».
«لقد وجدت عملا هناك»» قال بارسام بصوت يخلو من أي نبرة.
لانعم» يا له من عمل!» راحت العمَة فارسينيغ تنقر على رأس أنفها. ابحق السماء ماذا تظن نفسها فاعلة» تعمل في مطعم وكأنه لا يوجد في حسابها ولا قرش واحد؟ إنها تتعمد أن تفعل ذلك. إنها تريد العالم بأسره أن يوجه لنا اللوم» ليظن الناس أننا لا نعيل الطفلة. أمْ شجاعة بدون زوج تواجه مصاعب الحياة وحدها! هذا هو الدور الذي تحاول أن تؤديه!».
ستکون آرمانوش بخیر٤» دمدم بارسام» محاولاً ألا يبدو يائساً. «لقد بقيت روز في أريزونا لأنها تريد أن تعود للدراسة في الجامعة. وعملها في مطعم اتحاد الطلاب مؤقت. إن ما تريده حقاً هو أن تصبح معلمة مدرسة ابتدائية . تريد أن تمضي وقتها مع الأطفال. ولا يوجد غلط في ذلك. ما دامت على ما يرام وتعتني بارمانوش» ماذا يهم مع من تخرج؟».
«أنت على حقّ» لكنك مخطى أيضاً؛» قالت العمَة سوربان وهي تدس ساقيها تحتها في كرسيها» وقد تصلبت عيناها فجأة بشيء من التهكم. «في عالم مثالي» يمكنك أن تقول» حسناًء إنها حياتها ولا علاقة لنا بها. وإذا
Twitter: @ketab_n 3۹
لم یکن لديك ى تقدير للتاريخ والأجدادء أو ذاكرة أو مسؤولية› وإذا كنت تعيش وحدك في الحاضر فقط يمكنك بالطبع أن تذعي ذلك. لكن الماضى يعيش فى الحاضرء وأجدادنا يتنفسون من خلال أطفالنا وأنت تعرف ذلك . . . وما دامت ابنتك تعيش مع روز» فلديك كل الحق في أن تتدخل فى حياتهاء وخاصة عندما تصاحب شاباً تركاً!» .
تدخلت العمَة فارسينيغ التي لم تكن تشعر بالراحة لسماع خطب فلسفية» والتي كانت تفضل الكلام بصراحة ووضوح على الكلام الذي يتفوه به المثقفونء وقالت: «عزيزي بارسام» أرني تركيأ يتكلم الأرمنيةء هل يمكنك أن تفعل ذلك؟».
بدلاً من أن يرد عليهاء ألقى بارسام إلى أخته الكبرى نظرة جانبية .
تابعت العمَة فارسينيغ كلامها: «قل لي كم تركي تعلَم اللغة الأرمنية في حياته . لا أحدا لماذا تعلّمت أمهاتنا لختهم ولم يحدث العكس؟ أليس واضحاً من هيمن على من؟ مجرد حفنة من الأتراك قدموا من آسيا الوسطی» صحیح؟ ثم كل ما تعرفه أنهم انتشروا في کل مکان! ماذا حدث لملايين الأرمن الذين كانوا يعيشون هناك؟ لقد تم استيعابهم! دبحوا! تيتموا! رُخُلوا! ثم نسي أمرهم! كيف يمكنك أن تعطي ابنتك من لحمك ودمك إلى أناس جعلونا قلة ونعيش في معاناة وألم اليوم؟ سيتململ میسروب ماشتوتس في قبره!.
هز بارسام رأسه» لکنه ظل صامتاً. ولیخفف من کرب ابن أخيه» بدأ العم ديكران يروي قصة.
«ذهب عربي إلى دكان حلاق لیحلق شعره. وعندما انتھی »› هم بدفع الأجرة لكن الحلاق قال له: «أبدأًء لن أقبل منك نقوداً. فهذه خدمة التاليء عندما فتح الحلاق دكانه» وجد بطاقة عند الباب كتب عليها «شكرأً» وسلة مليئة بالتمرا.
Twitter: @ketab_n
تململت إحدى التوأم النائمتين على الأريكة لكنها لم تبك .
«وفي اليوم التالي» ذهب تركي إلى الحلاق نفسه ليحلق شعره. وعندما انتهى» حاول أن يدفع الأجرء لكن الحلاق قال مرة أخرى: «لن أقبل منك نقودا. فهذه خدمة اجتماعية». دهش الترکي› وغادر الدكان مسروراً. وفي صباح اليوم التالي» عندما فتح الحلاق دكانه» وجد بطاقة كتب عليها «شكرا» وصندوقا من اللقم عند باب دكانه».
بدأت الطفلة الثانية التي أيقظتها حركة أحدهم تبكي . فهرعت العمَةَ فارسينيغ إليها وأسكتتها بلمسة من أصابعها.
«وفي اليوم التالي جاء أرمني ليحلق شعره. وعندما انتهى» حاول أن بدفع للحلاق أجرته لكن الحلاق اعترض وقال: «(سف» لا يمكنني أن أقبل منك نقوداً. فهذه خدمة اجتماعية). دهش الأرمني وغادر الدكان
ور وفي صباح اليوم التالي» عندما فتح الحلاق دکانه. . . احزروا مادا وجد؟).
«صرَة من البورما؟» اقترح كيفورك .
«ل لقد وجد عشرة أرمن ينتظرون حلاقة شعرهم مجاناً!».
«هل تريد أن تقول إننا شعب بخيل؟» سأله كيفورك.
«لاء أيها الشاب الجاهل»» قال العم ديكران» «كل ما أريد أن أقوله إن أحدنا يهتم بالآخر. فإذا رأينا شيئاً جيدأًء نتبادله ونتقاسمه على الفور مع أصدقائنا وأقربائنا. وبهذه الروح الجماعية تمكن الشعب الأرمني من البقاء على قيد الحياة» .
«لكنهم يقولون أيضاًء (عندما يجتمع أرمنيان» فهما يقيمان ثلاث كنائس مختلفة))» قال ابن العم كيفورك» متخذاً موقفاً حازماً.
فقال دیکران ستامبولیان اخرا؛ Das’ mader’s mom’ri, noren koh)» كا" نط» فقد كان يعطي دائماً أمثلة عن الأرمن عندما يحاول أن يعلّم شابا درس لكنه فشل هذه المرة.
Twitter: @ketab_n ۷۱
استطاع أن يفهم معنى بيت - أرمني فقط» لكنه لم يفهم معنى صحيفة - أرمتية. حك كفورك ضحكة خافة» بشىء من الحصبية أيضا ريماء وهو بار إا الحية باه فم الضف الارن من الجمكتة لهل ني الباقي .
رفعت الجدة شوشان أحد حاجبيها» وتحدثت بالتركيةء كما دأبت عندما تريد أن تنقل رسالة مباشرة إلى شخص مسن فى الغرفة ولا تريد أن يفهم ما تقوله الأشخاص الأصغر سنا . «‘Oglani E iii .
بعد أن فهم الرسالةء تنهد العم ديكران» مثل صبي وبّخته أَمَه» وعاد د ثم ساد صمت. کل شخص وکل شيء - الرجال الثلاثة» أجيال النساء الثلاثة» البسط الكثيرة التى تزيّن الأرضية› والمجموعات الفضية الأثرية في الخزانة» الا ي ا وشريط الفيديو في جهاز تشغيل الفيديو (لون الرمان)ء بالإضافة إلى اللرحات الكرة٠ وابقرة صلاة القذيسة آناء وملصق جبل أرارات المجلل بطبقة من الثلج الأبيض النقي - ساد صمت لوهلة فيما اكتسبت الغرفة لمعاناً نادراً تحت الضوء الناعس المنبعث من ضوء الشارع الذي أضيء للتو في الخارج . كانت أشباح الماضي ترافقهم .
توقفت سيارة» ورکنت أمام البيت» وأضاءت أنوارها الأمامية الغرفة
من الداخل» فأضاءت الأحرف المكتوبة على الحائط في إطار مذهّب : آمین › الحقٌ أقول لكم: ما تَرْبُطونَةُ في الأرض يكونٌ مَربوطا في السّماءء وما تَحْلْونَةُ في الأرض يكودٌ مَحلولاً في السّماءِ . القدیس منّی› ۱۸ - ۱۸ مرت عربة آخرى تقرغ أجراسها؛ تنقل الأطفال والسيّاح الصاخبين
من الهضبة الروسية إلى الحديقة المائية» والمتحف البحري» ورصيف
صيادي السمك - وتدفقت إلى الغرفة أصوات ساعة الازدحام في سان فرانسيسكو» فأخرجتهم من أحلامهم .
«في الواقع أن روز ليست امرأة سيثة)» جازف بارسام بالقول: «لم
Twitter: @ketab_n ا
يكن من السهل عليها أن تعتاد على أساليبنا. فقد كانت فتاة خجولة من کنتاکى عندما التقينا أول مرة».
«يقولون إن الطريق إلى جهنم معبّد بالنوايا الحسنة»» قال العم دیکران.
لکن بارسام تجاهله» وتابع کلامه: «هل یمکنکم أن تتخيّلوا هذا؟ حتى أنهم لا يبيعون الكحول هناك! إنه ممنوع! هل تعرفون أن أهم مناسبة في إليزابيث تاون بكنتاكي هي ذلك المهرجان السنوي الذي يرتدي فيه لتاس ثباباً سل الآباء المؤسسين؟٠ وقلب بارسام كيه إلى الأعلى» إما ليثبت وجهة نظرهء أو ليلفت انتباه الله في دعاء يائس» «ثم يذهبون إلى وسط البلدة للقاء الجنرال جورج آرمسترونغ كستر!».
«لهذا السبب لم يكن عليك أن تتزوّجها في المقام الأول». قال العم دیکران بهدوء. فقد تلاشی منه الآن الخضب» وحلت محله معرفته بأنه لا يستطيع أن يظل غاضباً من ابن أخيه الذي يحبه كثيراً.
«إن ما أريد أن أقوله هو أنه لا توجدلدى روز خلفية متعددة الثقافات»» قال بارسام» «فقد كانت الطفلة الوحيدة لأبوين لطيفين جنوبيين يديران مخزنا للخرداوات› وكانت تعيش الحياة التى تحياها بلدة صغيرة» وفجأة وجدت نفسها وسط هذه العائلة الكاثوليكية الأرمنية الكبيرة الممتدة التي تعيش في الشتات. عائلة ضخمة ذات ماض مؤلم للغاية! فكيف يمكنكم أن تتوقعوا أن تتأقلم مع كل هذا بهذه السهولة؟».
«حسناًء لم يكن هذا سهلا علينا أيضاً»ء قالت العمَّة فارسينيغ معترضة» مشيرة بأسنان شوكتها إلى أخيها قبل أن يسبقهم إلى قطعة كفتة أخری . وبخلاف أمَهاء كانت تتمتع بشهية جيدة» فقدمت لها كمية الطعام التي تتناولها يومياً تقريباًء فضلاً عن أنها كانت قد أنجبت توأماً في الآونة الأخيرةء وكانت معجزة حقاً أن تظل نحيفة هكذا. «عندما تفكر أن الطعام
3
Twitter: @ketab_n VY
الوحيد الذي تعرف طهيه هو شواء الخروف الفظيع في شكل أقراص! ففي كل مرة كنا نأتي إلى بيتك كانت تضع ذلك المئزر القذر وتشوي لحم خروف) .
«أوه» لکنى يجب أن أكون منصفة)» واصلت العمة فارسینیغ کلامهاء سعيدة باستجابة مستمعيهاء «وكانت بين الحين والآخر تغْيّر نوع الصلصة. ففى بعض الأحيان» كنا نأكل شواء الخروف بصلصة تيكس ميكس الكثيرة التوابل» وفى أوقات أخرى» كنا نتناول الشواء بصلصة الكريمة. .. كان مطبخ زوجتك أرضاً متنوعة من الأطعمة!».
«الزوجة السابقة!» صخحت العمَة زاروهى مرة أخرى .
«لكنكم قسوتم عليها كثيرا»» قال بارسام» دون أن ينظر إلى أي منهم بشکل خاص»› وأضاف : «انتبهواء إن أول كلمة أرمنية تعلمتها كانت ت كلمة «أودار».
«لكنها هي نفسها أودار». انحنى العم ديكران إلى الأمام» وصفع ابن أخيه على ظهره. «إذا كانت أودار» فلماذا لا ندعوها أودار؟».
هزته الصفعة أكثر مما هزه السؤالء تجرأً بارسام وأضاف: «حتى إن بعض الأشخاص في هذه العائلة E
«وما الخطاً في ذلك؟» أخذت العمة فارسینیغ ية الاسر شخضيا »> بین لقمتيها الأخيرتين من التشوريك . اجب على هذه التراة أن تخ اسنها من روز إلى شوكة. فاسم روز لا يلائمها. هذا الاسم الجميل لتلك المرارة الشديدة. لو كان لدى أباها وأمّها المسكينين أدنى فكرة عما ستكون عليه» صدقني يا أخي العزيز» لسمياها شوكة!).
«كفى مزاحاً!».
كانت شوشان تشكمكجيان هي التي قالت هذا. لم تكن الصرحة تبدو
Twitter: @ketab_n vt
وكأنها لوم أو تحذير» بل كان لها كلا التأثيرين بطريقة ما على جميع من فى الغرفة. وتحول الغروب الآن إلى ليلء وبدأً الظلام يخيم. نهضت الجدة شوشان وأشعلت ضوء الثريا الكريستال .
يجب أن ننقذ آرمانوش من الأذى» هذا هو أهم شيء»» قالت شوشان تشكمكجيان بهدوء» وبرزت تحت الضوء الأبيض الخطوط الكثيرة على وجهها والحعروق الأرجوانية الرقيقة في يديها: «إن هذا الحمل الوديع بحاجة إليناء كما أننا بحاجة إليها.
بهت وجهها من التصميم هرت رأسها وأضافت : «لا يمكن إلا لأرمني أن يفهم ماذا يعني أن أن يقل عددنا كثيراً. لقد تقلّصنا قل جا ليت: خط ووز ان ترج مج س تھا پل وان رچ من تريد» لكن ابنتها أرمنية» ويجب أن تنشأً وتتربى كأرمنية) .
ثم انحنت إلى الأمام وقالت لابنتها الكبرى وهي تبتسم : «ناوليني ذلك النصف من صحنك. بمرض سكري أم لا» كيف يمكن للمرء أن يرفض البورما؟».
Twitter: @ketab_n
لم تكن آسيا قازانجي تعرف ما الذي يجعل بعض الناس يغرمون بالاحتفال بأعياد الميلاد» التي تكرهها هي . بل كانت تمقتها بشدة.
ربما تعود كراهيتها لأعياد الميلاد إلى أيام طفولتهاء عندما كان يُصنع لها في کل عيد ميلاد قالب الكاتو نفسه ۔ كاتو بالتفاح بثلاث طبقات تعلوه طبقة من الكراميل (شديدة الحلاوة) وعليها قشطة الليمون المخفوقة (شديدة الحموضة). ولم تكن تعرف كيف يمكن أن تتوقع خالاتها أنهن يدخلن البهجة إلى نفسها عندما يقدمن لها قالب الكاتو هذاء رغم أن كل ما كن يسمعنه منها سيلا من الاحتجاجات. وربما كن ينسين ذلك. وربما كانت ذكريات عيد الميلاد في السنة الماضية تمحى من ذاكرتهن. ربما كان
الإطلاق» أما عندما يتعلق الأمر بقصصها هي» فهي تنساها تماما .
هكذا إذن» ففي كل عيد ميلاد» كانت آسيا قازانجي تأكل الكاتو نفسه» وتكتشف في كل مرة حقيقة جديدة عن نفسها. فعندما كانت في الثالثة من عمرها مثلاًء تبين لها أنها تستطيع أن تحصل على أي شيء تريده تقريباًء بشرط أن تفتعل نوبات غضب . لکنها أدركت بعد ثلاث سنوات» في عيد ميلادها السادس» أنه من الأفضل أن تتوقف عن افتعال نوبات الخضب» لأنها مع كل حادثة» رغم تلبية جميع مطالبهاء فإن فترة طفولتها
Twitter: @ketab_n ۷٦
زطول أكثر. وعندما بلغت الثامنةء بدأت تعرف شيئاً كانت تشعر به» لكنها لم تكن متأكدة منه» وهو أنها لقيطة. وعتدما تفكر بالأمرء تجد آنه لم يكن لها أي فضل في اكتشاف هذه المعلومة بالذات» لأنه لولا جدتها كلثوم» لاستغرق اكتشاف هذه الحقيقة وقتاً أطول بكثير . الجدة كلثوم منهمكة في سقاية نباتاتهاء وكانت آسيا تراقبها وهي تلوّن صورة مهرَّج في كتاب تلوين للأطفال.
«لماذا تتكلمين مع نباتاتك؟» أرادت آسيا أن تعرف .
«النباتات تتفتح بسرعة إذا كلمتها» .
«حقاً؟» قالت آسيا مبتسمة .
«حقاً. إذا قلت لها إن التراب مها والماء أبوهاء فهي تتشجع وتتفتح) .
لم تطرح آسيا سؤالاً آخر» بل عادت إلى تلوينها. فلرّنت بدلة المهرج باللون البرتقالي ولؤّنت أسنانه باللون الأخضر. وفيما بدأت بتلوين حذائه بلون قرمزي ساطع» توقفت» وبدأت تقد جدتها. «يا حلوتي» يا حلوتي! التربة امَك والماء أبوك».
تظاهرت الجدّة كلثوم بأنها لم تلحظ ذلك. وعندما لاحظت آسيا عدم مبالاة جدتهاء» زادت من جرعة أنشودتها .
جاء دور البنفسج الأفريقي في السقاية» النبتة الأثيرة لدى الجدة كلثوم. فراحت تهدل للزهرة» «كيف حالك يا حلوتي؟) فرددت آسياء «(كيف حالك يا حلوتي؟) .
زمت الجدة کلثوم شفتیها وقالت : «کم أنت أرجوانية وجميلة!».
کم أت أرجوانية وجميلة!).
Twitter: @ketab_n ¥
عند ذاك رمت الجدة كلثوم فمها وغمغمت» «لقيطة». قالت الكلمة بصوت خفيض » ولم تعرف آسيا على الفور أن جدتها كانت تخاطبها هي »› لا الزهرة.
لم تعرف آسيا معنى الكلمة إلا بعد سنة» عندما اقترب موعد عيد ميلادها التاسع» عندما أطلق عليها أحد الصبية في المدرسة كلمة «لقيطة» . وعندما بلغت العاشرة» اكتشفت أنه» بخلاف جميع الفتيات الأخريات في غرفة صفهاء لم يكن يوجد في عائلتها رجل واحد تحتذي به. واستغرقت ثلاث سنوات أخرى لتفهم أن هذا قد يحدث تأثيراً دائماً على شخصيتها. ففي أعياد ميلادها الرابع عشر»ء والخامس عشر» والسادس عشر» كشفت على التوالى ثلاث حقائق أخرى عن حياتها: أن عائلات أخرى لا تشبه عائلتهاء وأن بعض العائلات قد تكون عادية؛ وأنه يوجد في عائلتها نساء كثيرات وأسرار كثيرة عن رجال اختفوا في سن مبكرة وعلى نحو غريب أيضاً؛ وأنها مهما فعلت» فلن تصبح امرأة جميلة على الإطلاق .
وعندما بلغت آسيا قازانجي السابعة عشرة من عمرهاء فهمت كذلك أنها لم تعد تنتمي إلى إستانبول أكثر من اللوحات التي كتب عليها «طريق قيد الإنشاء» أو «بناية قيد الترميم» التي تضعها البلدية بشكل مؤقت› أو الضباب الذي يكتنف المدينة في الليالي الكئيبة» وينقشع مع بزوغ الفجرء الذي لم يكن يؤدي إلى أي مكانء بل كان يتجمع ليصبح لا شيء .
وفي السنة التالية مباشرة» وبالتحديد قبل يومين من عيد ميلادها الثامن عشر» سرقت آسيا علبة الدواء في البيت» وابتلعت جميع الحبوب فيها. وفتحت عينيها لتجد نفسها في سرير محاطة بجميع خالاتها وجدتها كلثوم» بعد أن أرغمنها على شرب منقوع من الأعشاب الموحلة ذات رائحة كريهة» وكأنه لم يكن يكفي أنهن جعلنها تتقياً كل ما كان في معدتهاء فقد بدأت سنتها الثامنة عشرة وهي تعرف حقيقة أخرى لكي تضاف إلى فا ا ا او ت ا الم او م ا
Twitter: @ketab_n ۷۸
كالياقوت» وأنها في عائلة كعائلتهاء لن تكون بالتأكيد واحدة من الحظوظات .
من الصعب معرفة إن كانت هناك علاقة بين هذا الاستنتاج وما أعقب ذلك» إلا أن هوسها بالموسيقى بدأ يتشكل في تلك الأيام. لم يكن حباً مجرداً شاملاً للموسيقى» ولم يكن ولعاً ببعض أنواع الموسيقى المختارةء ل كان تعلقأ بمغن واحد أحد وهو جوني کاش .
کانت تعرف کل شيءَ عنه: تفاصيل دقيقة وكثيرة عن مسيرته من آرکانساس إلى ممفیس › ورفاقه فى الشراب»› وزیجاته › وتقلباته» وصوره» وإيماءاته» وبالطبع أغانيه . واتخذت من أغنيته «ثلاثة عشر» شعارها الدائم وهي في الثامنة عشرة» وقررت آسيا آنها هي أيضا ولدت بروح مشبعة بالتعاسة» وأنها ستجلب المتاعب أينما ذهبت .
اليوم» وفی عید میلادها التاسع عشر» شعرت نها نضجت » بعد أن سجلت ملاحظة عقلية عن حقيقة أخرى من حياتها: أنها بلغت الآن العمر الذي ولدتها فيه آمّها. وبعد أن توصلت إلى هذا الاكتشاف» لم تكن تعرف تماما ماذا ستفعل به. فكل ما عرفته أنها من الآن وصاعداء لا يمكنهن أن يعاملنها كطفلة .
لذلك قالت متذمرة: «إنى أحذركن! فأنا لا أريد قالب الكاتو لعيد میلاد هذه السنة!».
عندما كرّرت كتفيها» واسندت يديها على خصرها» نسيت للحظة أنها عندما تقف هكذاء فإن صدرها يندفع إلى الأمام. وعندما كانت تلاحظ ذلك» کانت تعود إلى وقفتها المحدودية» لأنيا کانت تکره صدرها الكبير› الذي اکتشفت أنه عبء وراٹى آخر من أمَها.
وكانت تشبَّه نفسها أحياناً بالغول الذي سيظهر يوم القيامة» والذي يتألف كل عضو من أعضائه من حيوان مختلف. ومثل ذلك المخلوق
Twitter: @ketab_n ۷۹
الهجين تماماًء كانت تحمل جسداً مكوناً من أجزاء منفصلة ورثتها عن النسوة في عائلتها. فقد كانت طويلة» أطول بكثير من معظم النساء في إستانبول»ء مثل أمَّها زليخة» التي كانت تدعوها «خالتي» أيضاً؛ وكانت لديها تلك الأصابع النحيفة ذات العروق الرفيعة الكثيرة مثل أصابع الخالة شكرية؛ والذقن المدببة على نحو مزعج التي ورثتها عن خالتها فريدة؛ والأذنان الفيليتان اللتان ورئتهما عن الخالة بانو. وكان أنفها أكثر الأنوف المعقوفة بوضوح شديد» الذي لم يكن له شبيه سوى أنفان آخران فقط في تاریخ العالم - أنف السلطان محمد الفاتح وأنف الخالة زليخة. فقد كان السلطان محمد قد فتح إستانبول» شئت أم أبيت» وهي حقيقة هامة لم تكن تجعله يكترث بشكل أنفه كثيراً. أما الخالة زليخة» فقد كانت شخصيتها قوية جداً» وجسدها فاتناً إلى درجة أن أحداً لن يعتبر أن أنفها أو أن أي جزء آخر - عيب فيها. لكن بما أنه لا توجد إنجازات إمبراطورية في سيره الاةونظر لجرا الطبيعن عن جاب الاسن وسخرعم» كانت آسيا تتساءل» ماذا يمكنها أن تفعل بأنفها؟
وكانت قد ورثت بعض الصفات الجيدة أيضاً من قريباتها. وأول هذه الأشياء» شعرها! فقد كان شعرها أجعد» أسود داكناًء أهوشاً - نظرياًء فهو يشبه شعر جميع النساء في العائلة» وعمليأًء فهو لا يشبه إلا شعر الخالة زليخة . فقد كانت معلمة المدرسة الثانوية المنضبطة» الخالة شكرية مثلاً ترفع شعرها دائماً إلى الأعلى في شكل شينيون» بينما تستثنى الخالة بانو من أي مقارنةء لأنها لا تكاد ترفع المنديل عن رأسها. أما الخالة فريدةء فكانت تغيّر لون شعرها وتسريحته بطريقة مسعورة» وذلك حسب المزاج الذي يعتريها. أما الجدَة كلثوم» فكان شعرها يشبه القطن» لأنه أصبح أبيض كالثلج وكانت ترفض أن تصبغه» بدعوى أن ذلك لا يليق بامرأة عجوز فى عمرها. أما الجدَة ما الهيفاء فكان شعرها أحمر. وقد يكون الزهابعر الذي كاه شد جدة يوبا بعد يرم جخلها تى مورا رة با
Twitter: @ketab_n ۸۰
فى ذلك أسماء أولادهاء لكنها لم تنس حتى هذا اليوم أن تصبغ شعرها الحتاء .
وفي النهاية ضمت آسيا قازانجي إلى قائمة الصفات الوراثية الإيجابية التي ورثتها عن العائلة» عينيها اللوزيتين اللتين تشبهان عيون المها (من الخالة بانو)» وجبينها العالي (من الخالة شكرية)ء وتقلّب المزاج الذي جعلها عرضة للانفجار بسرعة كبيرة» لكنه كان يجعلها أيضاء وعلى نحو غريب» تشعر بأنها لا تزال على قيد الحياة (من الخالة فريدة). ومع ذلك» فقد کانت تکره أن ترى مع كل سنة تمر» بأنها تزداد شبهاً بخالاتها أكثر وأكشر أكثر . باستثناء شيء واحد: ميلهن نحو اللاعقلانية. إذ لم تكن نساء عائلة قازانجي يعرفن العقلانية على الإطلاق. وكانت آسيا قد قطعت عهداً على نفسها منذ فترة من الزمن» بأن لا تتصرّف مثلهن» وألا تنحرف عن مسار عقلها الذي يمتاز بالتحليل والعقلانية.
وفي عيد ميلادها التاسع عشرء أصبحت آسيا صبية يدفعها حافز قوي لإثبات شخصيتها بأنها أصبحت قادرة على التمرد على كل شيء. لذلك» فإن كانت قد كرّرت اعتراضها على الكاتو» وبحماس أشد هذه المرةء فإن ثمة سبباً أعمق يكمن وراء غضبها: «لا مزيد من الكاتو الغبي لي».
«تأخرتِ كثيراً يا آنسة» لقد صْنع وانتهى»» قالت الخالة بانو» بعد أن رفعت نظرها عن ورقة اللعب ثماني خمسات ونظرت إلى آسيا. وإذا لم تظهر الورقات الثلاث التالية نها واعدة» فإن ورق اللعب الملقى على الطاولة أمامها سيتجه نحو طالع سيء. «لكن تظاهري بأنك لا تعرفين شيئأًء وإلا لانزعجت أمّك المسكينة. من المفروض أن يكون هذا مفاجأة بالنسبة لك».
كيف يمكن أن يكون شيئاً متوفعاً جداً مفاجأة؟» قالت آسيا متذمرة . فقد أصبحت تدرك جيداً الآن بما أنها تنتمى إلى عائلة قازانجى» فإن هذا يعئي» بین آشياء أخرى» أن تتبنى خيمياء السخافة؛ وتحول باسعمرار
Twitter: @ketab_n ۸۱
الأشياء السخيفة إلى نوع من المنطق يمكنك أن تقنع الجميع به» وبمجهود
«أنا التي يفترض أن تتوقع وتتنبًاً في هذا البيت» لا أنت». غمزت الخالة بانو.
هذا صحيح» على الأقل إلى حدَ معين. فبعد أن نمت موهبتها في قراءة البخت لسنوات طويلة» بدأ يأتي إلى البيت بعض الزبائن لزيارة الخالة بانو لتكشف لهم طالعهم وتقرأً بختهم وبدأت تجمع نقوداً. ففي إستانبول» لا يأخذ قارئة البخت سوى رمشة عين حتى تصبح ذات سمعة أسطورية. وإن كان الحظ حليفك» يكفي أن تنجح في قراءة طالع أحدهم» حتی یصبح هذا الشخص أهم زبائنك . وبمساعدة الريح والنوارس» ينتشر النبأً بسرعة مذهلة في أرجاء المدينة» إلى درجة أنه لا يمضي أكثر من أسبوع حتى تجد رتلاً من الزبائن ينتظرون آمام باب بيتك . وبهذه الطريقة شقّت الخالة بانو طريقها» وصعدت سلم فن قراءة الببخت» وكانت مع كل درجة تصعدهاء تزداد شهرة. وکانت زبوناتها يفدن من جميع أنحاء المدينة» عذراوات وأرامل» صبايا وجذّات لا أسنان لهنء› فقيرات وثريات» جميعهن غارقات في هواجسهن ووساوسهن» وجميعهن مستعدات لدل اتن کی يغلمن ما تبه لهن فورتانا تلك القَرة الأنثوية المتقلّبة. وكن يأنين وأفواههن مليئة بالأسثلة» ويغادرن وهن محملات بأسئلة إضافية. وبعضهن يدفعن مبالغ كبيرة للإعراب عن امتنانهن» أو كان يخيّل لهن أنه باستطاعتهن رشوة فورتاناء إلا أنه كانت هناك أخريات» لم يكن يخرج من جيوبهن فلس واحد. وعلى اختلافهن› كان ثمة شيء أساسي واحد يجمع بين أولئك الزبائن: وهو آنهن جميعهن من النساء. ففي اليوم الذي أعلنت فيه الخالة بانو أنها عرَافة» أقسمت بألا تستقبل زبائن ذکور .
)١( إلهة الحظ عند الرومان (المترجم).
Twitter: @ketab_n A۲
لقد تغيّرت أشياء عديدة فى الخالة بانو تغيراً جذرياً أيضاًء بدءاً من عا نی بدا مما کرت ی کان سر ی الي ری تستعرض شالات قرمزية مطرزة ومبهرجة تلقيها بإهمال حول كتفيها. لكنها سرعان ما استبدلت الشالات بدثارات مصنوعة من الكشميرء ثم بدثارات مصنوعة من شعر الماعز» وبعدها بدثارات ذات عمائم من الحرير معقودة بشكل طليق» ودائماً بتدريجات اللون الأحمر. ثم أعلنت الخالة بانو بختة أنها كانت تتأمَّل سرا منذ مدة لا يعرفها إلا الله» وقررت أن تنسحب من کل شيء مادي ودنيوي» وتكرّس نفسها كلية لخدمة الله. ولتحقيق هذه الغاية» أعلنت بوقار أنها أصبحت على استعداد للدخول فى مرحلة التوبة رال وغو ركه راان عن خارف اانا رتاعجاء كه ن يفعل الدراويش في الماضي .
«لكنك لست من الدراويش»» قالت أخواتها متهكمات بصوت واحد» عازمات على أن يثنينها عن انتهاك المحرمات بهذا الشكلء وهو أمر لم يسمع به أحد في حوليات عائلة قازانجي . ثم بدأت الأخوات الثلاث يثرن الاعتراضات» كل واحدة بصوت أعلى وأشد صلفاً من الأخرى.
«تذكري أن الدراويش كانوا يرتدون أكياساً خشنة أو أردية صوفية» لا أوشحة من الكشمير»ء قالت الخالة شكرية»ء أكثر واحدة فيهن امتلاء بالعاطفة .
ابتلعت الخالة بانو ريقها باضطراب» منزعجة من ملابسهاء منزعجة من جسمها.
«كان الدراويش ينامون على القش» لا على فرش واسعة محشوة بالريشر انضمت الخال فرية إلى الجرقة أكخرهن خلا راختلال مه التاحة العقلة؛
وقفت الخالة بانو صامتة» تحدّق فى الغرفة لتتفادى نظرات أخواتها
Twitter: @ketab_n AY
اللاتي كن يحققن معها. ماذا يمكنها أن تفعلء فألم ظهرها سيقتلها إن لم تنم على سریر خاص .
«بالإضافة إلى ذلك. لا توجد للدراويش «نفس» انظري إلى نفسك!» قالت الخالة :
زليخة» أكثرهن شذوذاً وغرابة .
وشنت الخالة بانو هجوماً مضاداً للدفاع عن نفسها.
«ولا أنا. هذا يكفي. لقد ولت تلك الأيام». ثم أضافت بصوتها الصوفي الجديدء «سأدخل معركة مع «نفسي» وسأنتصر.
في عائلة قازانجي» كلما تجرأت إحداهن على القيام بشيء غير عادي» كانت ترد الأخريات جميعهن بالطريقة ذاتهاء متبعات الأسلوب القديمء الذي يمكن تلخيصه على النحو التالي : «هيا امضي . انظري إن كنا نهتم بذلك». لذلك لم يأخذ أحد الخالة بانو على محمل الجد. وعندما رأت نظرات الشك في عيونهن› توجهت إلى غرفتها وصفقت الباب وراءهاء ولم تفتحه مرة أخرى لمدة أربعين يوماً إلا للقيام بزيارات سريعة إلى المطبخ والمرحاض . وفي المرَّة الوحيدة التي تركت فيها الباب موارباً» كانت عندما علقت لوحة من الورق المقوى على باب غرفتها تقول: تخل عن النفس يا من تدخل إلى هنا!
فى البدايةء حاولت بانو أن تأخذ معها الباشا الثالث» الذي كان آنذاك في أواخر أيامه على هذه الأرض. فقد خَيّل لها أنها ظنت أنه يستطيع أن يرافقها طوال فترة التكفير عن ذنوبهاء إلا أن الدراويش لم يكونوا يربون قططاً. إلا أن الباشا الثالث لم يتحمل حياة النسك هذه لأنه كان يتمتع بمباهج كثيرة في الحياةء بدءاً من تناول جبن الفيتا وانتهاءَ بقضم أسلاك الكهرباء. فلم تمض أكثر من ساعة داخل زنزانة الخالة بانو» حتى بدأ الباشا الثالث يطلق سلسلة عالية من المواء» وراح يخدش الباب بقوة»
Twitter: @ketab_n A٤
ففتحت له الباب وأخرجته على الفور. وبعد أن فقدت شريكها الوحيد» غرقت الخالة بانو في وحدتهاء وامتنعت عن الكلام» وأصبحت خرساء وصمّاء أمام الجميع . حتى أنها توففت عن الاستحمام أيضأًء وعن تمشيط شعرهاء بل حتى عن مشاهدة مسلسلها التلفزيوني الأثير لديهاء «لعنة لبلاب الفتنة» وهي تمثيلية برازيلية تعرضت فيه عارضة أزياء رقيقة القلب إلى جميع أنواع الخيانات من أكثر الأشخاص الذين كانت تحبهم .
لكن الصدمة الحقيقية جاءت» عندما لم تعد الخالة بانوء المرأة التي كانت تتمتع بشهية هائلة على الدوام» اکل شا وی الخبز والماء. ومع أنها كانت معروفة بولعها بالكربوهيدرات» وخاصة الخبزء فإن أحداً في العائلة لم يكن يصدق أنها تستطيع أن تعيش على الخبز وحده. ولإغرائها لكي تعود شهيتها إلى الأكل كما كانت في السابق» بذلت أخواتها الثلاث كل ما بوسعهن» فرحن يطهين أطباقاً كثيرة» ويملأن البيت بروائح الحلوى» والسمك المقلي» واللحم المشوي» التي غالبا ما تكون مشبعة بالسمن والزبدة التي تزيد من حدة الرائحة.
لم تتنازل الخالة بانو قيد أنملة. وإن كان قد حدث شيء» فهو أنها تمسكت بما كانت تفعله بحزم أشد» وبخبزها الجاف . وطوال أربعين يوماً وليلة» ظلت بعيدة عن الأخريات اللاتي يعشن تحت سقف واحد- وأضحى غسل الصحون وغسيل الثياب ومشاهدة التلفزيون والثرثرة والقيل والقال مع الجيران - روتين الحياة اليومية» كفراً لم تعد تريد أن تقاربه. وفي الأيام التالية» عندما كانت ترغب الأخوات في رؤية ماذا تفعل» كن يجدنها تتلو القرآن الكريم . وأصبحت متجهمة حادة المزاج» بعد أن كانت مرحة» وأصبحت غريبة على اللاتي كن يعرفنها حق المعرفة طوال حياتها. وفي صباح اليوم الجادي والأربعين» وفيما كانت الأخريات يتناولن السجق المشوي والبيض المقلي على مائدة الفطور» خرجت بانو من غرفتهاء
Twitter: @ketab_n
ووجهها يشعَ بابتسامة بهيجة» وبريق غريب يلتمع في عينيهاء وعلى رأسها وشاح أحمر كرزي اللون.
اما هذا الشيء التعس على رأسك؟» كانت أول رذة فعل للجدة كلثوم التي لم تكن تلين قيد أنملة» وظلت طوال هذه السنين تشبه إيفان الرهيب .
ابدءاً من هذه اللحظة سأغطي رأسي كما يطلب مني ديني» .
«ما هذا الهراء؟» قالت الجدة كلثوم عابسة: «فقد نزعت النساء التركيات الحجاب منذ تسعين سنة. وأنا لا أسمح لأي من بناتي أن تخون الحقوق التي منحها القائد العظيم أتاتورك للمرأة في هذا البلد».
انعم» لقد ملحت المرأة حن التصويت في عام ٠۱۹۳٤ ردت الخالة شكرية . إن كنت لا تعرفين» فالتاريخ يتقذم إلى الأمام» ولا يرجع إلى الوراء. اخلعي هذا الشيء فوراً!».
لكن الخالة بانو لم تفعل ذلك .
وظلت تغطي رأسها بالمنديل» وبعد أن اجتازت بنجاح اختبار التكفير عن الذنوب والسجود والتقوى - أعلنت عن أنها قد أصبحت مبصرة .
ومثل مظهرهاء تعرضت طريقتها في التبصير لتغيير كبير في مسيرتها الغيبية. ففي البداية» كانت تستخدم فناجين القهوة فقط لقراءة مستقبل زبوناتهاء إلا أنها مع الزمن بدأت تستخدم شيا فشيئاً أساليب جديدة بالأضافة إلى الطرق غير التقليدية المعروفة» شملت ورق التارو» وحبات الفاصولياء المجمَفة» والقطع النقدية الفضية» والسبحة» والأجراس› واللآلى المقلدة» واللآلئ الحقيقية» وحصى المحيط - أي شيء يجلب أخباراً من عالم الغيب. وفي بعض الأحيان» كانت تتكلم بحماس إلى کتفیھا حیث» کما كانت تدعي» یجلس جنیان غير مرئیین» يدلیان قدميهما. الجني الطيب على الكتف اليمنى» والجني السيء على الكتف
Twitter: @ketab_n ۸٨
اليسرى. ومع أنها كانت تعرف اسميهماء ولكي لا تلفظهما بصوت مرتفع» كانت تناديهما ببساطة «السيدة حلوة» و«السيد مرّ٠» على التوالي .
«إذا كان هناك جنى سىء على كتفك اليسرى» فلماذا لا ترمينه عنك؟» الت اسا خالا دات مرة.
«لأنه توجد أوقات نحتاج فيها جميعنا إلى صحبة السيئين!» جاء ا
حاولت آسيا أن تعبس وحركت عينيهاء لكن التأثير الوحيد الذي أحدثته هو أنها أبدت وجهاً طفولياً. وراحت تصفر لحناً من أغنية من أغاني جوني كاش» التي كانت تحب أن تتذكره خلال المواجهات العديدة مع خالتها: «لماذا أنا يا إلهي» ماذا فعلت في حياتي . . . ٩؟!
«ما اللحن الذي تدندنيه؟» سألتها الخالة بانو بارتياب . فبما أنها لم تكن تعرف شيئاً من اللغة الإنكليزية» كانت ترتاب بأيي لغة لا تفهم منها
«كنت أدندن أغنية تقول بما أنكِ أكبر خالاتي سنا فمن المفروض أني تكوني قدوة لي وتعلمينني الخطأ من الصواب. لكنك تقدمين لي دروساً عن ضرورة الشرَ.
«حسناًء دعينى أخبرك شيئأًاء قالت الخالة بانو بلهجة آمرة» وهى تحدق في ابنة اخ بإمعانء «هناك أشياء سيئة جداً في هذا العالم لا يعرف عنها شيئ ذوو القلوب الطيبةء باركهم الله. وكما أقول لك لا بأس إن كانوا لا يعرفون شيثاً عن هذه الأمور لأن هذا يثبت كم هم طيبون . وإلا لما كانوا طيبين» اليس كذلك؟».
كان كل ما فعلته آسيا هو أنها أومأت برأسهاء وأحست أن لجونى کاش الرأي نفسه . ٤
«الكن إذا صادف ووطئت منجماً من الحقد»ء فإنك لن تطلبى مساعدة من هؤلاء الناس». ۰
Twitter: @ketab_n Av
«وهل تظنين أني سأطلب مساعدة من جني خبيث!» قالت آسيا.
«ربما فعلتٍ ذلك»» هرت الخالة بانو رأسها: «إن شاء الله لن تحتاجي إلى هذا في حياتكا. ٠
وكان هذا كل شيء. فلم تتحدثا ثانية عن حدود الجيد والحاجة إلى عديمي الضمير .
في تلك الفترة» غيّرت الخالة بانو طريقتها في قراءة الطالع مرة أخرى» فانتقلت إلى البندق» الذي غالباً ما يكون بندقاً محمَّصاً. وشكت عائلتها بأن هذا الشىء الجديدء مثل التغيرات الأخرى» قد يكون من باب الصدفة المحضة. اذ يرجح أن الخالة بانو كانت قد رأت إحدى زبوناتها تلتهم البندق» مما جعلها تعتقد أنها تستطيع أن تقرأ في البندق أيضاً. هذا هو الاعتقاد الذي ساد لدى جميع أفراد العائلة. أما الآخرون فكان لديهم رأي مختلف . فقد أشيع في إستانبول أنه بما أنها سيدة مباركة» فلم تكن تطلب نقوداً من زبوناتها الفقيرات» بل كانت تطلب منهن أن يجلبن لها حفنة من البندق فقط . وأصبح البتدق رمزاً لطيبة قلبها الكبير. في جميع الأحوال» لم تسهم غرابة أسلوبها إلا في ازدياد شهرتها المنتفخة أصلاً. وأطلق عليها الناس اسم «الأم البندقة»» بل حتى «الشيخة بندقة٠» مع أنهن لم يكن يعرفن أن النساء» بقدراتهن المحدودة» لا يستطعن أن يحصلن على مثل هذا اللقب الجليل .
الجني السيء» البندق المحمَص . .. رغم أن آسيا قازانجي اعتادت على هذه الأمور وعلى أمور غريبة أخرى مع مرور الزمن» فقد بدا أنها تواجه صعوبة في تقبّل اسم أكبر خالاتها سنا. إذ كان من المستحيل عليها أن تقبل أن «الخالة بانو»» قد تصبح «الشيخة بندقة٠» لذلك بدأت تتحاشاها لدی وجود زبونات فى البيت أو عندما يكون ورق التارو مفتوحا على الطاولة. لذلك كانت آسيا تتظاهر بأنها لا تسمع هذه الكلمات الأخيرة عندما تتفوه بها خالتها. وكانت ستبقى جاهلة بسعادة لو لم تدخل الخالة
Twitter: @ketab_n A۸
فريدة غرفة الجلوس في تلك اللحظةء حاملة صحناً مسطحاً ضخماً انتصب فوقه قالب كاتو عيد الميلاد.
«ماذا تفعلين هنا؟» سألت الخالة فريدة آسيا عابسة: «ليس من المفروض أن تكوني هنا؛ عندك درس في الباليه الآن» .
لقد أصبح قيد آخر حول کاحل آسيا الآن. فشأن أمهات تركيات كثيرات من الطبقة المتوسطة اللاتي كن يتطلعن لرؤية أطفالهن يبرعن في جميع الأشياء التي يفترض أن أطفال الطبقات الراقية يفعلونها» كانت عائلتها تنتمي إلى الطبقة المتوسطة العلياء ترغمها على القيام بأشياء لم تكن تبدي بها آي اهتمام .
«هذا مستشفی مجانین؟» دمدمت آسيا فى نفسهاء وأصبحت هذه الكلمات اللات شمارا هذه الأيامء وقانت تكزرعا بحرية .لم رقت صوتها قليلاً وقالت: «لا تقلقى. فى الحقيقة» كنت على وشك أن أغادر». ا
«ما الفائدة من ذلك الآن؟» قالت الخالة فريدة» مشيرة إلى الصحن. «يفترض أن تكون هذه مفاجأة!» .
«إنها لا تريد قالب الكاتو هذه السنة»ء تدخلت الخالة بانو من الزاوية التي تجلس فيها وهي تقلب أول ورقة من أوراق التارو الثلاث التي كانت تنتظر. كانت كبيرة الكاهنات. رمز الإدراك اللاراعى فاتحة الخيال ا اغا فت الول ع ا وت الورقة التالية : البرج. رمز التغيرات الصاخبةء انفجارات عاطفية» وهبوط مفاجئ. نظرت الخالة بانو بإمعان لمدة دقيقة. ثم قلبت الورقة الثالثة . يبدو أنهم سيستقبلون زائراً قريباًء زائراً غير متوقع من وراء المحيطات .
«ماذا تقصدين أنها لا تريد قالب الكاتو؟ إنه عيد ميلادها!» صاحت الخالة فريدة» وقد زمّت شفتيها وانطلقت ومضة غضب من عينيها. لكن
Twitter: @ketab_n ۸۹
يبدو أن فكرة أخرى كانت قد خطرت ببالها لأنها التفحت إلى آسيا ونظرت را «هل تخشين أن يكون أحدهم قد دس الس في الكاتو؟».
نظرت إليها آسيا مندهشة. فبغد كل هذا الزمن وهذه التجربةء لم تتمكن من أن تضع إستراتيجية» الإستراتيجية الذهبية التي تقول بالتزام الهدوء إزاء نوبات غضب الخالة فريدة. فبعد e «شيزوفرانيا خبل البلوغ» لسنوات عديدة» انتقلت الخالة فريدة مؤخرا إلى جنون الارتياب. وكنّ كلما بذلن محاولة لإعادتها إلى أرض الواقع› ازدادت ارتیاباً وشکاً بهن .
هل تخشى أن تكون قد دست واحدة منا السم في الكاتو؟ بالطبع لاء يا غريبة الأطوار غير المؤذية».
التفتت جميع الرؤوس في الغرفة باتجاه الباب حيث تقف الخالة زليخة» التي كانت تضع على كتفيها سترة قطنية» وتنتعل حذاء ذا كعب عال» وارتسمت على وجهها تعابير غريبة جعلت نظرتها جميلة إلى درجة مفجعة . إذ يبدو أنها انسلت إلى الغرفة ووقفت تستمع إلى الحديث صامتة » هذا إن لم N . وبخلاف معظم النساء التركيات اللاتي ربما كن يتمتعن بارتداء التنانير القصيرة والأحذية ذات الكعب العالي في شبابهنء لم تطوّل زليخة الأولى» وقصرت الثانية مع تقدمها في العمر. فقد ظل أسلوبها في ارتداء الثياب مبهرجاً كما كان أبداً. وأضافت السنون إلى جمالهاء فيما أحدثت أثرها على أخواتها جميعهن . وكما لو كانت تعرف تأثير وجودهاء ظلت الخالة زليخة واقفة عند الباب» تمعن النظر فى أظافرها المشذبة والمطلية. فقد كانت شديدة الاهتمام بيديها لاا ت اني ا ل کن زا ل الل قي الان البيروقراطية » أو في أي مجال قيادي» وبما أن غضبا وسخطأ شدیدین کانا يعتملان في داخلهاء فقد آدركت فى سن مبكرة أن عليها أن تختار مهنة تجعلها مستقلة ومبتكرة - وإن أمكن» إحداث قليل من الألم .
Twitter: @ketab_n
فقبل عشر سنوات» افتتحت الخالة زليخة صالوناً للوشم» وجمعت مجموعة واسعة من التصاميم الأصلية. بالإضافة إلى تصاميم من الفنَ الكلاسيكي - ورود قرمزية» فراشات ذات ألوان قزحية» قلوب يضخها الت < رالفجرغة الا لحشرات يها الكحر: وداب شرمة وعناكب عملاقة» وقذمت تصاميمها الخاصة التي ألهمها لها مبدأ أساسي واحد هو : التناقض . فقد كانت هناك وجوه نصفها ذكر ونصفها أنثى› وأجساد نصفها حيوان ونصفها إنسان» وأشجار نصف متَفتّحة ونصف جافة. إلا أن تصاميمها لم تكن شعبية. فقد كان زبائنها يرغبون في نقل رسالة عن طريق وشمهم» لا ليضيفوا غموضاً آخر إلى حياتهم المجهولةء بل كانوا يرغبون أن يعبر وشمهم عن عاطفة بسيطةء لا عن فكرة مجرّدة. وبعد أن تعلمت درسها جیداء أطلقت زليخة سلسلة جديدة» مجموعة مركبة من الصورء أطلقت عليها «التغلب على وجع القلب».
فقد صمم كل وشم في هذه المجموعة الخاصة لمخاطبة شخص واحد فقط : الحبيبة السابقة . فقد كان الحزانى واليائسون» الذين يعتريهم الغضب ولحق بهم الأذى» يجلبون صورة أحبائهم السابقين الذين كانوا يريدون أن يقصوهم عن حياتهم إلى الأبدء لكنهم لم يكونوا قادرين بطريقة ما على التوقف عن حبهم. فكانت الخالة زليخة تدرس الأمر جيداء وتعصر دماغها إلى أن تجد الحيوان الذي يشبه ذلك الشخص. ويصبح الباقي سهلا. فترسم ذلك الحيوانء وتطبع الوشم على جسم الزبون البائس. وكانت العملية تطبق وفق الممارسة الشامانية القديمة في جغل الطوطم مقبولاً من الداخل ومن الخارج. فلكي تصبح قوياً أمام خصمك»› يجب أن تقبله» وترحب به» ثم تحوله. فيكون الحبيب السابق قد حقن داخل الجسم» ويبرز في الوقت نفسه إلى الخارج - أي يرك خارج الجلد. فما إن يصح الحبيب السابق عند هذه العتبة بين الداخل والخارج»› ويتحول بمهارة إلى حيوان» وتتغير هيكلية القَوّة بين المكتثب ومسبّب
Twitter: @ketab_n ۹۱
الاكتثاب . وعندها يشعر الحبيب الذي وضع الوشم بالتفوّق» وكأن المفتاح إلى روح الحبيب السابق أصبح في يده أو في يدها. وعند الوصول إلى هذه المرحلة» وما أن يفقد الحبيب السابق جاذبيته أو جاذبيتهاء قد يتخلى كسيرو القلوب أخيراً عن وساوسهم» لأن الحبّ يحب القَوّة. لذلك قد نقع في حبّ الآخرين بطريقة انتحارية» لكننا نادراً ما نستطيع أن نتبادل الحبَ مع الذين وقعوا في حبنا بطريقة انتحارية .
وبما أن إستانبول مدينة القلوب الكسيرة» لم تستغرق الخالة زليخة وقتاً طويلاً لكي توسع عملها الذي أصبح أسطورياً» وخاصة بين الدوائر البوهيمية .
أشاحت آسيا بعينيها كي لا تحدّق طويلاً في عينيّ أمَهاء أمَها التي لم تنادها في حياتها «ماما»» والتي لعلها كانت تريد أن تبقي مسافة بينها وبين أمَها فأخذت تناديها «خالة» . غمرها شعور قوي برثاء الذات. فمن الظلم الفادح أن يخلق الله فتاة تقل جمالاً عن جمال أمَها بكثير .
«ألم تفهمي بعد لماذا لا تريد آسيا قالب الكاتو هذه السنة؟» قالت الخالة زليخة عندما انتهت من تدقيق طلاء أظافرها. «إنها تخشى أن يزداد وزنها!» .
مع أنها كانت تعرف تماماً أنه ليس من المناسب أن تفقد مزاجها في وجه أُمَهاء صرخت آسيا غاضبة : «هذا ليس صحيح!».
استسلمت الخالة زليخة وانبثق وميض شيطانى من عينيها: «حسناًء يا حلوتي» إذا كان هذا رأيك» .
عندها فقط لاحظت آسيا الصينية التي تحملها الخالة فريدة» التي رأت عليها قطعة كبيرة من اللحم وقطعة أكبر من العجين . إنهن سيتناولن مانتي على العشاء هذه الليلة.
«كم مرّة يجب أن أقول إني لا حب المانتي ؟ زأرت آسياء «تعرفين أني توقفت عن تناول اللحم؟. بدا صوتها غريباً لهاء أجشاً ودخيلاً.
Twitter: @ketab_n ۹۲
«قلت لك إنها تخشى أن يزداد وزنها». هرّت الخالة زليخة رأسها وأزاحت خصلة من شعرها الأسود التي سقطت على وجهها.
ألم تسمعي في حياتك كلمة «نباتية»؟ «هزت آسيا رأسها أيضاًء لكنها قاومت الرغبة في أن تزيح خصلة من الشعر» خشية أن تقلّد حركة أمَها.
«طبعاً سمعت»» قالت الخالة زليخة» وقوست كتفيهاء «لكن لا تنسى يا عزيزتي»» واصلت كلامها بصوت أكثر نعومة لأنها كانت تعرف أنه سبكرن مقتعا أكثر: ١إنك قازانجة» ولست باقة!۲:
ابتعلت آسيا ريقها بصعوبة» فقد أحست أن فمها قد جف فجأة.
«ونحن القازانجية نحبَ اللحم الأحمر! وكلما كان أكثر حمرة» وأكثر دهناء كان أفضل! إذا لم تصدقيني» اسألي السلطان الخامس» أليس كذلك يا سلطان؟» وأمالت الخالة زليخة رأسها نحو القط السمين المستلقى على وسادته المخملية بالقرب من باب الشرفة. التفت نحو الخالة زليخة بعينين ضبابیتین وکأنه فهم ووافق على ما قالته .
بعد أن خلطت أوراق التاروء قالت الخالة بانو منتهرة من زاويتها: ايوجد في هذا البلد أناس فقراء لا يعرفون ما طعم اللحم الأحمرء ولولا الزكاة التي يقدمها لهم المسلمون المحسنون في عيد الأضحى» الوقت الوحيد الذي يستطيعون أن يتناولوا فيه وجبة طعام دسمة» لما ذاقوه. اذهبي واسألي تلك الأرواح المعدمة ماذا يعني أن يكون المرء نباتياً. يجب أن تكوني ممتنة لكل قطعة لحم توضع في صحنك» لأنها رمز البحبوحة والثراء) .
«هذا بيت مجانين! جميعنا معتوهون» كل واحدة منا». کرّرت آسيا شعارهاء وهذه المرة كان صوتها غارقاً في الهزيمة. «سأخرج» أيتها السيدات . بوسعكن أن تأكلن ما ترغبن . لقد تأخرت على درس الباليه!».
لم يلحظ أحد أنها شخرت كلمة باليه وكأنها لعاب تريد أن تبصقه» لكنها شعرت بالاشمئزاز لعدم قدرتها على السيطرة على الرغبة في عمل ذلك .
Twitter: @ketab_n ۹۳
۵ فانیلا
کان مقهى كونديرا مقهى صغيراً يقع في شارع فرعي ضيّق في الجانب الأوروبى من إستانبول. وهو الحانة الصغيرة الوحيدة فى المدينة التى لا تهدر طاقتك فيها في الأحاديث» والتي تعطي فيها النادل بقشيشاً لكي اا ا چ ف وا ی بام الو اتم 9 ا يعرف تماماً - وتزيد عدم المعرفة تلك الحقيقة بأنه لا يوجد شيء» فعلاً لا يوجد شيء» داخل هذا المقهى يذكر بالكاتب الشهير ميلان كونديراء أو بأي رواية من رواياته .
فعلى امتداد الجدران من الجوانب الأربعة توجد مثات من اللوحات المؤطرة من جميع الأحجام والأشكال» عشرات الصور واللوحات والرسوم» عدد كبير منها إلى حد أن المرء قد يساوره شك إن كانت توجد جدران خلف هذه اللوحات حقاً. إذ يعطي المكان انطباعاً بأنه بني فوق اللوحات المؤطرة» ولم يشيد من الطوب والحجر. وفي جميع هذه اللوحات» بلا استشناء» تشرق صور شوارع . طرق سريعة عريضة في أمريكاء طرق سريعة لا نهاية لها في أسترالياء طرق سريعة مكتظة في ألمانياء جادات متلألئة في باريس» شوارع فرعية مزدحمة في روماء دروب ضيقة في ماكو بيكو» طرق قوافل منسية في شمال أفريقيا» وخرائط طرق التجارة القديمة على امتداد طريق تجارة الحرير» تقتفي آثار خطى
Twitter: @ketab_n ٤
ماركو بولو - باختصار» كانت هناك صور طرق من جميع أنحاء العالم . وكان الزبائن سعداء تماماً بهذا الديكور. فقد كانوا يظنون أنه بديل مفيد عن الأحاديث العقيمة التي لا تؤدي إلى شيء. وعندمالم يكن رواد المقهى يشعرون بالرغبة في الكلام» كانوا يختارون إحدى اللوحات» وذلك حسب زاوية الطاولة التي يجلسون إليهاء والمكان الذي يتمنون أن ينطلقوا إليه في ذلك اليوم بالذات. ويبدأون في إمعان النظر في الصورة التى اختاروها بنظرة غائمة هائمةء وشيئاً فشيئاً يقلعون إلى تلك الأرض البعيدة» شيئاً يشتهون أن يجدوه في مكان ما هناك» أي مكان إلا هذا المكان» ويستطيعون أن يحلقوا ذ في اليوم التالي إلى مكان آخر.
E E کان ثمة شيء واحد أكيد وهو أنه لم يكن لأي منها أي علاقة بميلان كونديرا. فعندما افتتح المقهى» أشيعت نظرية بأن المؤلف كان يزور إستانبول» وفيما كان متجهاً إلى مكان ماء توف بالصدفة ليتناول كوباً من الكابوتشينو . تكن الكابوتشينو جيدة» ولم يعجبه بسكويت الفانيلا الذي قدموه له مع کوب الکابوتشینو» لکنه سرعان ما طلب كوبا آخر» بل إنه أخذ يكتب قليلاء لأن أحداً لم يزعجه أو حتى لم يعرفه. في ذلك اليوم» عُمّد المكان باسمه. بل وزعمت نظرية أخرى أن صاحب المقهى كان قارئاً نهماً لأعمال كونديرا؛ فبعد أن التهم كل كتبه وجعله يوفع له عليها جميعهاء قَرّر أن يسمي المقهى باسم المؤلف الشهير المفضل لديه. ربما كان هذا الزعم معقولاً أكثر من أي زعم ونظرية أخرى لو لم يكن صاحب المقهى الذي كان في متوسط العمر» أسمر البشرة ورياضياًء ويهوى الموسيقى والغناءء يكن كراهية شديدة للكلمة المطبوعة إلى درجة أنه لم يكن يه بقراءة كلمات الأغنية التي كان يغنيها في كل ليلة جمعة على أنغام فرقته الموسيقية .
أما السبب الحقيقي' في تسمية المقهى باسم كونديرا» حسب الآراء
Twitter: @ketab_n 0
المتضاربةء أن هذه البقعة من الفضاء لم تكن إلا نسجاً من خياله المشوش . فلم يكن المقهى إلا مكاناً خيالياً يضم أناساً خياليين في هيئة زبائن منتظمين. وكان كونديرا قد بدأ منذ فترة يكتب عن هذا المكانء كجزء من مشروع كتاب جديد كي ينفخ فيه الحياة والفوضى» لكنه سرعان ما عزف عن ذلك» وانصرف إلى مشاريع أكثر أهمية - تلبية دعوات. إلقاء محاضرات» وتسلم جوائز أدبية - وفي غمرة أشغاله الكثيرة نسي هذا الثقب القذر في إستانبول»ء المكان الذي كان هو المسؤول الوحيد عن وجوده. ومنذ ذلك الحين» يعتري الزبائن في مقهى كونديرا شعور بالعدمية» فينبشون في سيناريوهات مستقبلية كئيبة» ويقطبون وجوههم في القهوة التركية التي كانت تقدم لهم في أكواب قهوة الإسبريسوء ينتظرون دورهم في مسرحية تشي بثقافة رفيعة يؤدون فيها دور البطولة. ومن جميع النظريات المتعلقة بأصل اسم المقهى» لقي التفسير الأخير هذا قبولاً واسعاً. ورغم ذلك» فقد كان أحد الرواد الجددء أو أي شخص يريد أن يلفت الانتباه» يخرج بنظرية أخرى بين الحين والآخرء وكان الآخرون يصدقونه لفترة سكون عابرةء فيعبثون بالنظرية الجديدة» إلى أن يسأموها ويعودوا ليغرقوا ثانية في مستنقعاتهم من العبوس وتقطيب الجبين. أما اليوم» عندما بدأ رسام الكاريكاتير المدمن يعبث بنظرية جديدة عن اسم المقهى» شعر جميع أصدقائه - حتى زوجته - أنهم مرغمون على الإنصات له بانتباه شديد» دلالة على تأييدهم له» لأنه استجمع شجاعته أخيراً ليفعل ما كان كل واحد منهم يرجوه أن يفعله: وهو أن ينضم إلى شلة مدمني الخمر المجهولين .
إلا أن ثمة سبباً ثانياً جعل الجالسين إلى الطاولة يشعرون بالتعاطف تجاهه أكثر من المعتاد. فللمرة الثانيةء وجهت إليه اليوم تهمة إهانة
شخص رئيس الوزراء في رسوماته الكاريكاتيرية » وإذا أقَرَ القاضي بالتهمة يوم انعقاد الجلسة» فقد يحکم عليه بالسجن لمدة تقارب ثلاث سنوات .
Twitter: @ketab_n ۹1
فقد اشتهر رسام الكاريكاتير المدمن برسم سلسلة من الرسوم الكاريكاتيرية السياسية التي يصور فيها أعضاء الوزارة بأنهم قطيع من الغنم» وصور رئيس الوزراء في شكل ذثب في هيئة خروف. لكنه بعد أن مُنع من استخدام هذا الضرب من الاستعارة» كان يريد أن يرسم أعضاء الوزارة في شکل قطیع من الذئاب» ورئيس الوزراء ضبع في ثوب ذئب. وإذا منم هذا الکاریکاتير أيضاً كان فكر باستراتيجية الخروج أيضاً: البطاريق! فقد صمَّم على أن يرسم جميع أعضاء البرلمان كبطاريق يرتدون بدلات
رسمه .
«ها هي نظريتي الجديدة»» قال رسام الكاريكاتير المدمن» غير مدرك أنه أثار كل هذا الحماس» وفوجىئ قليلاً عندما رأى هذا الاهتمام الشديد من مستمعیه - بل وحتی من زوجته. فقد کان رجلا بدیناًء ذا أنف روماني أرستقراطي» وعظام خديه مرتفعة» وله عینان زرقاوان حادتان» وفم مزموم ومتجهم. كان يشي بالتعاسة والكابة منذ زمن بعيد» لکنه بعد أن وقع سراً في حب امرأة يستحيل عليه أن يدركها» تضاعف حزنه وغمّه.
وإن أنت أمعنت النظر إليهء لا يمكنك أن تتخيّل أن هذا الرجل يكسب رزقه من الدعابة والسخرية» وأنه يجري وراء هذا الوجه المتجهم سيل من أجمل النكات والدعابات. ومع أنه كان دائماً سكيراً سيء السمعة» تصاعدت مشاكله مؤخراً مع الكحول صعوداً صاروخياً. فقد بدأ يجد نفسه مستيقظاً في أماكن مريبة لم تطأها قدماه من قبل. لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت عندما وجد نفسه في صباح أحد الأيام مستلقياً فوق قطعة الحجر التي يغسلون عليها الأموات في باحة أحد المساجد» إذ يبدو أنه أغمي عليه هناك وهو يحاول أن يرتب أمور جنازته. وعندما فتح عينيه عند الفجر» كان يقف إلى جانبه إمام شاب» كان في طريقه ليرفع آذان صلاة الصبح» فبهت عندما رأى شخصاً غريباً غارقا في النوم ويشخر فوق قطعة الحجر التي يغسلون عليها الأموات. وبعد هذه
Twitter: @ketab_n ۷
الحادثة» شعر أصدقاء رسام الكاريكاتير المدمن - بل وحتى زوجته - بالقلق الشديد عليه وبدأوا يحثونه على أن يرى طبيباً نفسانياً وأن يبدأ في عمل ت دا و و اک اج لدی ای المجهرلين» وضرب عهداً على نفسة بان يتوقف عن الشراب. لذلك» مال جميع الجالسين إلى الطاولة - حتى زوجته - بتعقل ليستمعوا إلى نظريته مهما کانت .
القد سمي هذا المقهى بهذا الاسم لأن كلمة كونديرا رمز. فالاسم ليس مهما بقدر ما يرمز إليه الاسم .
«وما هو هذا الرمز؛؟ سأل كاتب السيناريو غير الوطني الذي يكتب أفلاماً مغرقة في الوطنية» وهو رجل نحيف قصير ذو لحية بدأ يصبغها باللرة الرمادي هد أن قوسل إلى أكغات مقاب أن الصبابا فشان الرجال الناضجين . فقد كتب مسلسلا تلفزيونياً شعبياً» يدعى «تيمور قلب الأسده» يصوّر فيه بطلا وطنياً قوي البنية» قادراً على سحق جحافل جيوش الأعداء وجعلها كتلا من اللحم والدم. وعندما كان يُسأل عن برنامجه التلفزيوني المبتذل وعن أفلامه» كان يدافع عن نفسه ويجادل بأنه رجل وطني من حيث المهنة» لكنه شخص عدمي حقيقي من حيث الاختيار. وقد جاء هذا اليوم ترافقه صديقة أخرى» امرأة جميلة جذابة لكتها تخلو من أي عمق في التفكير. وكانت أوساط الرجال يطلقون اسما خاصا على النساء ذوات العقول الضحلة مثلها: «فاتحات الشهية» لا الوجبة الرئيسية بالطبع» بل وجبة خفيفة سريعة الهضم . وفيما كانت يده غاطسة في صحن اللوز على الطاولةء قهقه وهو يطوق صديقته الجديدة بذراعه وقال: «هياء قل لنا ما هو ذلك الرمزا.
«الضجراء قال رسام الكاريكاتير المدمن بعد أن نفث هبة من سيجارته» فأخذت دوائر الدخان تتصاعد من جميع الجوانب» وبما أن جميع رواد المقهى كان ينفثون دخانهم كالمداخن» فقد انضم خيط الدخان
Twitter: @ketab_n ۹۸
الرفيع الذي نفثه الرسام بتكاسل إلى السحابة الرمادية السميكة التي تشكلت فوق الطاولة.
أما الشخص الوحيد الجالس معهم الذي لم يكن يدخن» فهو الصحفي الشاذ» الذي كان يمقت رائحة الدخان. وعندما كان يعود إلى البيت كل يوم» كان يخلع ثيابه على الفور ليتخلص من روائح مقهى كونديرا النتنة. لكنه لم يكن يبدي أي اعتراض عندما كان الآخرون يدخنون. بل ولم يكف عن ارتياد المقهى أيضاً. فقد كان يأتي إلى هنا بانتظام» لأنه كان يجد متعة في أنه أحد أعضاء هذه المجموعة المتباينة المشارب» ولأنه كان ينجذب سرَاً إلى رسام الكاريكاتير المدمن .
لم يكن سبب انجذاب الصحفي الشاذ إلى رسام الكاريكاتير لأنه كان يريد منه شيئاً جسدياً . فمجرد التفكير به عارياً كان يكفي لأن تبعث الرجفة في أوصاله. ولم يكن لذلك علاقة بالجنس» قال مطمئناً نفسه» بل له علاقة بالأرواح ذات وشائج القربى. بالإضافة إلى ذلك» كانت هناك عقبتان كبيرتان تقفان في طريقه. الأولى» أن رسام الكاريكاتير المدمن لم يكن يعاشر إلا النساء» وفرصته في أن يجعله يغْيّر موقفه ضئيلة للغاية. والثانية » أنه كان مغرماً بتلك الفتاة الكثيبةء ذات المزاج النكد» آسيا - وهي حقيقة لاحظها الجميع .
لذلك لم يعلق الصحفي الشاذ أية آمال على إقامة علاقة مع رسام الكاريكاتير المدمن. بل كان يريد أن يتقرب منه فقط . وكانت أحياناً تسري قشعريرة مفاجئة في جسده عندما تلمس يده أو كتفه عرضاً يد رسام الكاريكاتير عندما يمدها لتناول كأس أو منفضة سجائر. ورغبة منه في أن يدخل الطمأنينة في نفوس الجميع بأنه لا يوجد لديه أي اهتمام به» أو باي رجل لذلك الغرض» كانت تمر أوقات يعامل فيها الصحفي الشاذ رسام الكاريكاتير من بعيد» مشوهاً آرائه من حيث لا يحتسب. إنها حقاً قصة
معقدة .
Twitter: @ketab_n ۹۹
«الضجر»» قال رسام الكاريكاتير المدمن عندما ارتطمت يده بقنجان القهوة بالحليب وانقلب» وتابع » «إن الضجر خلاصة حياننا. إذ إننا نتمرغ في الملل يوماً بعد يوم . لماذا؟ لأننا لا نستطيع أن نهجر جحر الأرنب هذا خوفاً من أن نصطدم بشقافتنا على نحو مؤلم. فالسياسيون الغربيون يفترضون أنه توجد فجوة ثقافية بين الحضارة الشرقية والحضارة الغربية. أرجو أن يكون الأمر بهذه البساطة! لكن الفجوة الحضارية الحقيقية تكمن بين الأتراك والأتراك أنفسهم. إذ إننا مجموعة من الحضريين المثقفين المحاطين بسكان الجبال والريفيين الساذجين من جميع الجهات»› الذين احتلوا المدينة بأسرها».
وألقى نظرة جانبية إلى النوافذ» وكأنه كان يخشى أن تقفز حشود الناس عليهم بعصيهم ومنجنيقاتهم .
«القد أصبحت الشوارع ملكهم» الساحات لهم العبّارات لهم. لقد أصبحت جميع المناطق المفتوحة لهم. وبعد بضع سنوات» ربما لن يعود لنا مكان نلجأ إليه سوى هذا المقهى . منطقتنا المحررة الأخيرة. إننا نهرع إلى هنا كل يوم هرباً منهم. أوه نعم» هم! فليحفظني الله من شعبي» .
«إنك تقول شعرآ»» قال الشاعر غير الموهوب بامتياز. فہما آنه كان شاعراً يخلو من أي موهبة» فقد دأب على أن يشبّه کل شىء بالشعر.
«لقد علقنا. لقد علقنا بين الشرق والغرب. بين الماضى والمستقبل . فمن ناحية تجد أن العلمانيين العصريين يفتخرون بالنظام الذي أقاموه» ولا تستطيع أن تنتقدهم بكلمة واحدة» لأن الجيش ونصف الدولة يقف إلى جانبهم . ومن الناحية الأخرى» هناك التقليديون المتمسكون بالتقاليدء المفتونين بالماضي العثماني» ولا يمكنك أن تنتقدهم بكلمة واحدةء لأن عامة الناس والنصف الآخر من الدولة يقفون إلى جانبهم. فماذا تبقى لا؟».
Twitter: @ketab_n
عاد ووضع السيجارة بين شفتيه الشاحبتين المشققتين» حيث مكثت طوال فترة شكواه وتذمره. «المعاصرون يطلبون منا أن نتقدم إلى الأمام» لكننا لا نؤمن بأفكارهم عن التقدم . والتقليديون يطلبون منا أن نعود إلى الوراءء لكننا لا نريد أن نعود إلى نظامهم المثالي أيضاً. إننا محصورون بين الاثنين» نتقدم خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراءء تماماً كما كانت تفعل فرق الجيش العثمانى! حتى أننا لا نعزف على أي وتر! أين المفر؟ فاا أف فل كا اف عرية أو فعا من المرب الأمة لأصبحنا تحت حماية ميثاق الأمم المتحدة» وعندها يمكننا أن نحصل» على الأقل» على بعض الحقوق الأساسية. أما العدميون والمتشائمون والفوضويون فلا يُعتبرون أقلية» بل أصبحنا نوعاً منقرضاًء وأخذ عددنا يقل يوماً بعد يوم . إلى متى يمكننا أن نبقى على قيد الحياة؟» .
علق السؤال بتشاقل شديد فوق رؤوسهم» في مكان ما تحت سحابة الدخان. وكزت على أسنانها زوجة رسام الكاريكاتير» التي کانت امرأًة عصبية وسريعة الهياج» وذات عينين داكنتين كئيبتين فيهما الكثير من الامتعاض والاستياء» لأنها كانت ترسم الكاريكاتير أفضل مما يرسمه زوجهاء لكنها لم تكن تحظى بذات التقدير الذي يحظى به. وكانت تتمزق حيرة بين أن تتصيّد أخطاءه وتنتقده» كما كانت تريد أن تفعل بشريكها منذ اثنتي عشرة سنة» أو أن تؤيد نوبات حنقه وجنونه مهما كانت» كما يفترض أن تفعل الزوجة المثالية. فقد كان الواحد منهما يكره الآخر بإخلاص› ومع ذلك كان كل واحد منهما يتمسك بزواجهما طوال هذه السنوات» هي بأمل أن تنتقم منه» وهو بأمل أن تتحسن وتصبح أفضل حالاً. أما اليوم فقد أصبحا يتكلمان بكلمات وإيماءات يسرقانها من بعضهما البعض. حتى رسومهما الكاريكاتيرية أضحت متشابهة هذه الأيام. فقد كانا يرسمان أجساماً مشوّهة» ويخترعان حوارات غريبة تشمل أشخاصاً مكتئبين تصور حالات حزينة وساخرة. '
Twitter: @ketab_n
«أتعرفوا من نحن؟ إننا حثالة هذا البلد. عجينة نيئة ندية نثير الشفقةء لا شيءَ أكثر من ذلك! فالجميع إلا نحن» مهووسون بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبى» وتحقیق الأرباح» وشراء الأسهم» وتبديل سیاراتهم بسيارات جديدة» وتبديل صديقاتهم. . ٠. .
تململ كاتب السيناريو بعصبية.
«هنا حيث يدخل كونديرا الصورة»» تابع رسام الكاريكاتير المدمن كلامه دون أن يلاحظ زلة لسانه» «إن فكرة الخمة بأكملها تتخلل حياتنا فى شکل فراغ لا معنی له. إن وجودنا شيءَ مبتذل» أكذوية جميلة» يساعدنا على تحدي حقيقة الموت والفناء. إنه بدقة أكبر هذا .
لكن خشخشة الأجراس عندما فتح أحدهم باب مقهى كونديرا بقوة قطعت كلماته» ودخلت صبيّة تبدو عليها آثار التعب والاستياء بشكل يتجاوز عمرها.
«هيه » آسيا»» صاح كاتب السيناريو» وكأنها المنقذة التي طال انتظارها لوضع حد لهذا الحديث السخيف. «هنا! نحن هنا».
ابتسمت آسیا قازانجی نصف ابتسامة» وقطبت حاجبيها بتعبير يقول»› أوه حسناً» يمكنني أن أنضم إليكم أيها الرفاق قريباًء ما الفرق على أي حال» فالحياة سيئة في كلتا الحالتين. وببطء» وبتثاقل وكأنها محملة بأكياس غير مرئية» اقتربت من الطاولة» وحيّت كل واحد فيهم تحية تخلو من أي حيوية › وجلست» وراخت قلف ستجارة:
«ماذا تفعلين هنا فى هذه الساعة؟ أليس من المفروض أن تكونى فى درس الباليه الآن؟» سأل رسام الكاريكاتير المدمنء ناسياً أنه كان يناجي نفسه. وبرقت عيناه بالاحترام - إشارة لا حظها الجميع تقريباً إلا زوجته.
الكن هذا هو المكان الذي يجب أن أكون فيه: في درس الباليه. والآن» - حشت آسيا ورقة السجائر بالتبغ - إني أمارس حالياً إحدى أكثر
Twitter: @ketab_n
القفزات صعوبة» حيث أضم ربلتيّ ساقي وأثب في الهواء بزاوية بين خمسة وأربعين وتسعين درجة»).
«عظيم“ قال رسام الكاريكاتير مبتسماً.
«ثم أثب وثبة مع استدارة»» تابعت آسياء «القدم الأيمن إلى الأمام» زف مثنية» ثم أقفز!» وأمسكت كيس التبغ الجلدي ورفعته في الهواءء «أستدير مائة وثمانين درجة» - قالت وهى تفتل الكيس بيدهاء فتبعثر قليل ن التب غلى الطاولة #وأتقدم غلى القدم اليسرى؛. جم الكيس إلى جانب صحن اللوز. «ثم أكرّر هذه الحركة مرة أخرى لأعود إلى الوضعية التي انطلقت منها. إمبوفت؟ .
«كانك تكتين القغر بجسمك وآنت تمارسين الباله)) همس الشاعر غير الموهوب بامتياز .
ساد فتور کئیب. ومن مکان بعید تناهت أصوات المدينةء مزيج من أصوات الصافرات» وأبواق السيارات» وصياح الباعة» وضحكات تصحبها صرخات النوارس. ودخل بضعة زبائن جدد» وغادر آخرون. ووقع نادل وهو يحمل صينية مليئة بالكؤوس . وأحضر نادل آخر مكنسة» وفيما راح يكنس الزجاج عن أرضية المقهى» كان ينظر إلى الزبائن بدون اكتراث. ففي هذا المقهى كان الندل يتغيرون بسرعة . إذ كانت ساعات العمل طويلة ولم يكن الأجر كبيراً. ومع ذلك» لم يقدم أي نادل استقالته حتى يومنا هذاء بل کانوا بُطردون طرداً. هذا هو حال مقهی کوندیرا. فما إن تطأه قدماك» حتى ترتبط به إلى أن يبصقك خارجه.
وفي نصف الساعة التالي» طلب بعض الجالسين إلى طاولة آسيا قازانجي قهوة» وطلب آخرون بيرة. وفي الجولة الثانية» احتسى بيرة من کان ات قهوة فى الجولة الأرلى» وراجسى قهوة من كان قد طلب وكا سارت الأمور وكا وتام الكاريكاير الخص الرة الاق
Twitter: @ketab_n 9F
التزم بطلب القهوة بالحليب وتناول قطع البسكويت بالفانيلا التي كانت تأتي مع القهوة» رغم أن استياءه بدا واضحاً الآن. وفي جميع الأحوالء لم يكن ثمة شيء يتم بانسجام» ومع ذلك كان هذا التنافر يحدث إيقاعا غير عادي هناك . وهذا ما كان يثير إعجاب آسيا فى هذا المقهى: خموله السباتي وتنافره الهزلي. لقد كان هذا المكان خارج الزمان والمكان. فمع أن إستانبول تسير فى حركة سريعة محمومة» كان السبات والخمول E eae أما الناس خارج المقهى» فكانوا يتمسكون ببعضهم بعضاً كي يخفوا وحدتهم» ويتظاهرون بأنهم أكثر حميمية وإلفة مما كانوا فعلاًء أما هناء فعلى العكس تماماًء فقد كان كل واحد منهم يتظاهر بأنه أكثر بعداً وانفصالاً عن الآخر مما كان فى حقيقة الأمر. إن هذا الساكاتسكل تاا ورف تسه متك اعات سا ا س سيجارتها» مقذرة تماماً هذا الكسل والخمول حتى نظر رسام الكاريكاتير إلى ساعته والتفت إليهاء وقال: «الساعة الثامنة إلا ثلثا يا عزيزتي. لقد انتهی موعد درسك».
«أوه» هل يجب عليك أن تذهبي؟ إن أسرتك موضة قديمة»» قالت صديقة كاتب السيناريو» وأضافت: «لماذا يجعلونك تأخذين دروساً في الباليه مع أنه من الواضح أنك لا تريدين ذلك؟».
كانت هذه مشكلة جميع الصديقات اللاتي لم تكن تزيد أعمارهن على عمر الفراشة» واللاتي كان كاتب السيناريو يحضرهن معه. فلكي يتقربن من الآخرين» كن يطرحن أسئلة شخصية عديدة» ويبدين تعليقات شخصية كثيرة» وكنْ لا يعرفن على نحو يثير الشفقة» أن أحداً منهم لم يكن يبدي اهتماماً جديا ومخلصاً في خصوصية الآخر» وهذا ما كان يجمعهم .
«كيف تتحملين كل تلك الخالات؟» تابعت صديقة كاتب السيناريو» ولم تستطع أن تقرأً التعابير التي ارتسمت على وجه آسياء وتابعت: «يا
Twitter: @ketab_n ê
إلهي» كل تلك النسوة يقمن بدور الام تحت سقف واحد. . . أنا شخصياً لا أستطيع أن أتحمل ذلك ولا دقيقة واحدة».
هنا بلغ السيل الزبى . فقد كانت هناك قواعد غير مدونة لدى مجموعة انتقائية کهذه» وکان كل واحد منهم یحرص على عدم انتهاکها. سحبت آسيا نمسا عميقاً من سيجارتها. وعندما كانت تلتقي بامرأة جديدة» كانت تفعل أحد أمرين: إما أن تنتظر لترى متى ستكرههاء أو أنها تكرهها في الحال.
«لا توجد لدي عائلة بالمعنى المعروف للكلمة»» قالت آسيا ورمقتها بنظرة متعالية» راجية أن يوقف هذا ما كانت الأخرى تخطط لقوله بعد ذلك . وأثناء ذلك وقعت عيناها على إطار فضي يلمع على الجدار فوق كتف الفتاة اليمنى. كانت صورة طريق يؤدي إلى البحيرة الحمراء في بوليفيا. يا له من شيء رائع أن يكون المرء على هذا الطريق الآن! أنهت قهوتهاء أخرجت سيجارتهاء وبدأت تلف سيجارة أخرى وهي تهمهم : «إننا مجموعة من الحيوانات الإناث المرغمات على العيش معاً. أنا لا أسمي هذه عائلة» .
«لكن هكذا هي العائلة بالضبط يا عزيزتي»» قال الشاعر غير الر ت اا وی ارات هده كان جار أنه أك ر اراد الوط ا لا من كد سات ال فف بل من حك رات اكاب افا أيضاً . فقد تزوج وطلق ثلاث مرات» وشاهد جميع زوجاته السابقات يغادرن إستانبول» الواحدة تلو الأخرى»ء ويتجهن إلى أبعد مكان يمكنهن أن يصلن إليه لكي يبتعدن عنه. وكان لديه أطفال من كل زوجة لم يكن یزورهم إلا لماماًء لکنه كان يذعي دائماً بأنه قادر على «التذكر»» فقال وهو ضعا اونا تحر اسا «إن جميع العائلات السعيدة تشبه إحداها الأخرى»ء لكن كل عائلة غير سعيدة هي غير سعيدة بأسلوبها الخاص».
«يسهل على تولستوي أن يقول هذا الهراء»» قالت زوجة رسام
Twitter: @ketab_n 10
الكاريكاتير المدمن باستهجان: «فقد كان للرجل زوجة تعتنى بأدق التفاصيل» وربت عشرات الأطفال الذين أنجباهماء وكانت تعمل كالكلب روایاته).
«ماذا تريدين؟» سأل رسام الكاريكاتير المدمن .
«الاعتراف! هذا كل ما أريده. أريد أن يعترف العالم بأسره» بأنه لو أتيحت لها الفرصة» لكان من الممكن أن تكون زوجة تولستوي كاتبة أفضل منه .
«لماذا؟ ألأنها امرأة فقط؟».
«لأنها كانت امرأة موهوبة جداً وقد اضطهدها رجل موهوب جدااء قالت زوجته .
«أوه)» قال رسام الكاريكاتير المدمن. وبانزعاج نادى النادل» ولحزن. الجميع طلب زجاجة بيرة. لكن عندما وصلت البيرة› لا بد أنه أحس بالذنب» فغيّر الموضوع فجأة» وراح يلقي خطابا عن فوائد الكحول .
«إن هذا البلد يدين بحريته لهذه القنينة الصغيرة التى يمكننى أن أمسكها بحرية كبيرة في يدي». ورفع رسام الكاريكاتير صوته ليغطي على صوت بوق سيارة إسعاف كانت تن في الخارج. لا إصلاحات اجتماعية› ولا تعلیمات سياسية . لیس حتی حرب الاستقلال . بل إن هذه القنينة بالذات هي التي تميّز تركيا عن جميع البلدان الإسلامية الأخرى . هذه البيرة هنا - رفع القنينة وكأنه يريد أن يشرب نخب أحد» «إنها رمز
«أوه» هيا. منذ متى كان سكير متعفن رمزاً للحرية؟» قال كاتب السيناريو بحدة. أما الآخرون فلم يشاركوا في الحديث» لسبب بسيط وهو أن المناقشة تبدد الطاقة . لذلك اختار كل واحد منهم لوحة على الجدارء وراح يركز على صورة أحد الطرق .
Twitter: @ketab_n
«منذ اليوم الذي حرمت فيه المشروبات الكحولية» وشوهت سمعتها في الشرق الأوسط الإسلامي. منذ الأزل»» شخر رسام الكاريكاتير المدمن: «فكروا بالتاريخ العثماني . كل تلك الحاناتء كل تلك المازوات التي ترافق كل كأس... يبدو أن هؤلاء الرجال كانوا يمضون أوقاتاً ممتعة. نحن كأمة يروق لنا الكحول» فلماذا لا نقبل ذلك؟ فهذا مجتمع ويصوم في شهر رمضان» ثم يعود إلى الشراب ما أن ينتهي الشهر الفضيل . إذا لم تكن هناك شريعة في هذا البلدء وإذا لم ينجح الأصوليون كما نجحوا في أماكن أخرى» فإني آقول لكم» إننا ندين بذلك إلى هذا ترکیا .
«حسناً لماذا لا نشرب إذن؟» ابتسمت زوجة رسام الكاريكاتير لنشرب أفضل من الشراب على نخب السيد «أطراف أصابع القدم»؟ ماذا کان اسمه سیشه؟» .
e قالت آسیا مصححة» کک تلعن ذلك ايوم الذي کانت فيه ا وقد اجيم هتا الائ Ns کان یقترح أحدهم بي بين الحين والآخر تناول كأس على نخبه» الراقص الذي استنبط الرقص غل رؤوس الأصابع.
«إذن لولاه لما استطاع راقصو الباليه السير على رؤوس أصابع أقدامهم » أليس كذلك؟» كان أحدهم يقول ضاحكاً في كل مرة.
وکان آخر رت يضيف : «وبأي شيءَ کان يفكر ؟» فرت فرضحك ال لجميع .
كانوا يجتمعون في مقهى كونديرا يومياً. الشاعر غير الموهوب
Twitter: @ketab_n
بامتياز» وكاتب السيناريو غير الوطني الذي يكتب أفلاماً مغرقة في الوطنيةء وزوجة رسام الكاريكاتير المدمن» والصحفى الشاذ» وآسيا قازانجى . وكانت هناك مشاعر مليئة بالتوتر مدفونة في مكان عميق» تنتظر حديثهم اليومي لكي تطفو على السطح وتنبعث إلى الخارج. وكانت الأشياء في الوقت نفسه» تتدفق بسهولة. فقد كانوا يجلبون معهم أحياناً أشخاصاً آخرين» أو أصدقاءء أو زملاء أو غرباء تماماً؛ وكانوا أحياناً يأتون وحدهم. وکانت النجخغة ا شونا ذاتی التنظيم› تظهر فيه الاختلافات الفردية لكنها لا تهيمن عليه» وكأن لدى الجسم العضوي حياة في خارج الشخصيات التي يتكون منها.
وکانت آسیا قازانجي قد وجدت سلاماً داخلیاًء وأصبح مقھی کوندیرا ملاذاً لها. فقد كان يتعين عليها أن تصحح أساليبها دائماً في بيت قازانجي» وتبذل ما بوسعها لكي تصل إلى كمال يتجاوز إدراكهاء أما هنا في مقهى كونديراء فلم يكن ثمة أحد يرغمك على أن تتغيرء لأنهم يعتقدون أن البشر غير كاملين من حيث الجوهر ولا يمكن إصلاحهم .
صحيح أنهم لم يكونوا الأصدقاء المثاليين الذين كانت خالاتها ستختارهم لهاء وخاصة أن بعض أفراد المجموعة كانوا في عمر أمٌ آسياء وبما أنها كانت أصغرهم سناً» كانت تستمتع بمراقبة طفولتهم . وكان من المريح أن ترى أنه لم يطراً أي تحسّن فعلي على حياتهم خلال تلك السنوات؛ فإن كنت مراهقاً كثيبا متجهماً» فسينتهى الأمر بك بأن تكون بالغاً كئيباً متجهماً. إذ إن هذا النمط يلازمنا وسيبقى معنا. صحيح أن ذلك قد يبدو كثيباً بعض الشىء» إلا أن آسيا» على الأقل» قالت تواسى نفسها إن هذا يشبت أنه لا يتعين على المرء أن يصبح شيئاً آخر» شيئاًء مثل خالاتها اللاتي لا يتوقفن عن إزعاجها والتذمر ليلا نهاراً. فبما أنه لن يتغير
Twitter: @ketab_n
شىء مع الزمن» وبما أن هذه الكآبة ستبقى هنا إلى الأبدء فيمكنها أن تظل هى الكثيبة المتجهمة ذاتها
«اليوم عيد ميلادي»» أعلنت آسياء مفاجئة نفسها لأنها لم تكن تنوي أن تعلن هذا النبأً .
«أوه حقاً؟» سأل أحدهم.
«يا لها من مصادفة! فاليوم عيد ميلاد أصغر بناتي أيضاً»» صاح الشاعر غير الموهوب بامتياز .
«أوه» حةا؟« الآن جاء دور آسیا. الجوزاء».
هر الشاعر رأسه المفوش مفتيطاء بطريقة مسرحية .
برج الحوت»» قالت آسيا مصححة .
وهكذا كان. لم يحاول أحد أن يعانقها أو يمطرها بالقبل› تماما كما لم يفكر أحد بأن يطلب لها قالب كاتو. لكن بدلا من ذلكء راح الشاعر يقرأ لها قصيدة رديئةء واحتسى رسام الكاريكاتير ثلاث زجاجات بيرة على شرفها» ورسمت زوجة رسام الكاريكاتير كاريكاتيرها على منديل - صبيّةَ هوجاء ذات شعر يشبه أسلاك الكهرباءء وثديين ضخمين» وأنف حادّ تحت عینین فطنتين اقبتين . وطلب لها الا خرون فنجان قهوة اخر»ء وفي النهاية» لم يدعوها تدفع نصيبها في الفاتورة. كان الأمر بتلك البساطة. وهذا لا يعني أنهم لم يأخذوا عيد ميلاد آسيا بجدية» بل على العكس» أخذوه بجدية شديدة إلى درجة أنهم سرعان ما بدأوا يفكرون بصوت عال بمفهوم الزمن والفناءء ومن هناك انتقلوا إلى أسئلة متى سيموتون» وإن كانت هناك حقاً حياة بعد الموت. وأخيراً توصلوا إلى الرأي بأنه اتوجد حياة بعد الموت» لكنها ستكون أسوأ مما هي هنا»» وخلصوا إلى النتيجة يجب على المرء أن ي يتمتع بالوقت المتبقي لدیه) .
Twitter: @ketab_n
فكر البعض في ذلك» وتوقف آخرون عند منتصف الكلمة وهربوا إلى صورة الطريق هذه أو تلك على الجدار. أخذوا وقتهمء وكأن أحداً لا ينتظرهم في الخارج» وكأنه لم يكن هناك خارج أصلاًء» وشيثاً فشيئاًء تحوّل تجهمهم إلى ابتسامات سعيدة من اللامبالاة. وبما أنهم كانوا يفتقرون إلى الطاقةء أو العاطفةء أو الحاجة إلى أحاديث أخرى» فقد غاصوا في أعماق مياه اللامبالاة والخمول الموحلةء متسائلين لماذا» بحق السماءء سمي هذا المقهى مقهى كونديرا.
# ¥ #
في الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم» وبعد أن تناولن وجبة دسمة» وبعد أن أطفأن الأضواء» ووسط الغناء والتصفيق» أطفأت آسيا قازانجي الشموع الموضوعة في قالب كاتو التفاح المؤلف من ثلاث طبقات تعلوها كراميل (شديدة الحلاوة) وكريمة الليمون المخفوقة (شديدة الحموضة). ولم تتمكن إلا من إطفاء ثلث الشموع» أما باقي الشموع فقد أطفأتها خالاتها وجدتها وما -الهيفاء» اللاتي رحن ينفخن جميعهن من جميع
الجوانب . «كيف كان درس الباليه اليوم؟٠ سألت الخالة فريدة عندما أشعلت الضوء تانىة
«کان جیداً) انتسمت اسا: «إن ظهري يؤلمنی قلیلاً بسبب التمدد الذي تجبرنا المعلمة على عملهء لكنني لا أستطيع أن أتذمر. فقد تعلْمت عدة حركات جديدة) .
«أوه» نعم؟» جاء صوت يشي بالريبة . كان صوت الخالة زليخة.
«مشل ماذا؟) .
«حسناً. . .» أجابت آسيا وهي تتناول اللقمة الأولى من الكاتو .
«لنر . لقد تعلمت eاءز petit ى القفزة الصغيرة» وء)اءuهءم (الدوران) ولوا الانزلاق» .
Twitter: @ketab_n
«أتعرفين» هذا يشبه إصابة عصفورين بقطعة حجر واحدة)» قالت الخالة فريدة: «ندفع ثمن دروس الباليه» وينتهي الأمر بأنها تتعلّم الباليه واللغة الفرنسية معاًء وبذلك نوفر مالا كثيراًا.
أومأن جميعهن - جميعهن إلا الخالة زليخة» التي برزت ومضة شك في هاوية عينيها الزرقاوين المائلتين إلى اللون الأخضرء قبت وجهها من وجه ابتتها وقالت بصوت لا يکاد يسمع»› «أرينا» .
«هل جننت؟» أجفلت آسياء «لا يمكننى أن أنفذ هذه الحركات وسط غرفة الجلوس هنا! يجب أن أكرن قى الأستديو وأن أفعل ذلك مع المعلمة. ففي البداية نقوم بحركات الإحماء» ونتمدد ونركز. ودائماً توجد موسیقی . . . 2اا تعنی الانزلاق» هل تعرفين ذلك؟ کیف یمکننی أن ا و فقا ۷ ك ال اوو ق ق `
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي الخالة زليخة وهي تمرر أصابعها فوق شعرها الأسود. لم تقل شيئاً آخر» وتظاهرت بأنها مهتمة بتناول قطعة الكاتو أكثر من اهتمامها بافتعال مشاجرة مع ابنتها. لكن ابتسامتها كانت تكفي لإثارة حنق آسيا. دفعت صحنها جانباًء وسحبت کرسیهاء ونهضت .
في الساعة التاسعة وخمس عشرة دقيقة من ذلك المساء» وفي غرفة جلوس كانت ندل عل البحيوة زالتراذات يرم لكتها أصبحت اليرم تدل على ذوق عفا عليه الزمن» وقناق خرب آيل للسقوط في إستانبول» راحت آسيا قازانجي ترقص الباليه فوق سجادة تركية» وكان وجهها في وضع رومانسي» ااا واا ت اد اصبعاها الأوسطان يلامسان إبهاميهاء فيما كان شعور بالغضب والاستياء
Twitter: @ketab_n
٠ تق
أخذت آرمانوش تشكمكجيان تراقب أمينة الصندوق في مكتبة «المكان النظيف والجيد الإإضاءة للكتب» وهى تكدس الروايات الاثنتى عشرة التى اشترتها للتو» الكتاب تلو الكتاب فى حقيبتهاء فيما أخذتا تنتظران المرافقة على بطاقتها الائتمانية . ثم أعطتها أمينة الصندوق الإيصال» فوفعت عليه وهي تحاول ألا تنظر إلى مجموع المبلغ. فللمرة الثانية أنفقت جميع مخراتها الشهرية على الكتب! إنها دودة كتب حقبقية» ولم يكن هذا شيثا جيدأً» خاصة في عيون الشبانء مما كان يجعل أمَّها تخشى أن تقل فرص زواجها من رجل غني . وكانت قد وعدت أمَها على الهاتف صباح اليوم بأنها لن تنبس بكلمة واحدة عن الروايات أثناء لقائها هذه الليلة. وما أن تذكرت آرمانوش موعدها هذا المساء» حتى أحست بدفق مفاجئ من القلق في معدتها مشوب بالإحساس بالذنب . فبعد مضي عام على عدم خروجها مع أي شاب - وهي دلالة خطيرة على سنواتها الإحدى والعشرين من العزوبية المزمنة التي تخللتها مواعيد كارثية مع بعض الشبان ستمنح أخيراً آرمانوش تشكمكجيان الحبٌ محاولة أخرى .
وإذا كان ولعها بالكتب أحد الأسباب الرئيسية الذي لم يمكنها من إقامة علاقة عادية مع الجنس الآخر» فثمة عاملان آخران أججا نيران فشلها. فأولاً وقبل كل شيءء كانت آرمانوش جميلة» جميلة جداًء ذات
Twitter: @ketab_n 11۲
جسد متناسق» ووجه ناعم» وشعر أشقر متمرّج» وعینین زرقاوین رماديتين واسعتين» وأنف دقيق ذي نتوء طفيف قد يبدو عيباً فى وجوه الأخريات» أما هى» فقد أضاف لها شيئاً من الثقة بالنفس . اا ا وتقلها يران الخرف فى انقوس الشباب. إلا أن هذا لا يعني انهم يفضلون النساء القبيحات» أو أنهم لا يقدّرون الذكاء» بل لأنهم لا يعرفون في أي فثة يصنفونها: في فثة النساء اللاتي يتشوقون للنوم معهن (العشيقات)» أو في فة النساء اللاتي يستشيروهن (الرفيقات)ء أو في فة الراغبات في ازاج (الخطيبات)ء وبما أنها کانت تتمتع بجمیع هنا ااضفات في آن واحد» لم تعد تنتمي إلي أي فثة من هذه الفثات في نظر الشباب.
أما العامل الثاني فكان أكثر تعقيداًء ولم يكن بوسعها أن تتحكم فيه أيضاً وهو أقرباؤها. فقد كان لعائلة تشكمكجيان في سان فرانسيسكو ولأمها في أريزوناء آراء ووجهات نظر متباينة تصل إلى درجة العداوة عندما يتعلق الأمر بمن هو الرجل المناسب الذي يجب أن تقترن به آرمانوش .
ومنذ طفولتهاء كانت تمضي في كل سنة تقريبا خمسة أشهر هنا (العطلة الصيفية» وعطلة الربيع» وزيارات نهاية الأسبوع) في حين كانت تمضي الشهور السبعة المتبقية في أريزوناء مما جعل آرمانوش تعرف» من المصادر الأساسية مباشرة» ما يتوقعه منها كل جانب» ومدى تناقض هذه التوقعات . فأي شيء يجعل أحد الجانبين سعيداً» كان يسبب الكدر والحزن للجانب الآخر. ولكي لا تزعج أحداً منهماء كانت آرمانوش تحاول أن تلتقي بشبان أرمن عندما تكون في سان فرانسيسكو» وأن تلتقي بأي شاب شريطة ألا يكون أرمنياًء عندما تکون في أریزونا. لکن لا بد أن القدر كان يسخر منهاء لأنها عندما تكون في سان فرانسيسكو» كانت تنجذب لجميع الشباب سوى الشبان الأرمن» وتبين لها أن الشبان الثلاثة
Twitter: @ketab_n 11۳
الذين أغرمت بهم عندما كانت في أريزوناء كانوا جميعهم من الأمريكيين الأرمن» مما أثار استياء أمَها.
اجتازت ميدان أوبرا وهي تجرَ قلقها مع حقيبتها الثقيلة» فيما كانت الريح تصفر وتعصف ألحاناً غريبة في أذنيها. ورأت في مقهى ماكس أوبراء شابا وقاة ومن قات وجهههاء عرفت ارمانوشن نها انا منزعجين من سندويتشات لحم البقر المكدسة أمامهماء أو أنهما كانا قد تشاجرا للتو. «الحمد لله أنى عازبة)» دمدمت لنفسها بسخرية قبل أن تنعطف إلى «شارع تركي». ثم تذكرت آرمانوش تلك الفتاة الأمريكية الأرمنية التي جاءت لزيارتها من نيويورك منذ بضع سنوات التي اصطحبتها لتريها معالم المدينة» كيف أن وجه الفتاة تغضن عندما وصلتا إلى هذا الشارع› وقالت: «شارع ترکي! هل هم موجودون في كل مکان؟» .
تذكرت آرمانوش الدهشة التي اعترتها بسبب ردّة فعل الفتاة. وحاولت أن تشرح لها أن اسم تركي كان قد أطلق على الشارع تكريماً لفرانك تركي» المحامي الذي عمل قاضياًء الذي يتمتع بأهمية كبيرة في تاريخ هذه المدينة.
مهما كان»» قاطعتها صديقتها المحاضرة»› غير مكترثة بتاریخ المدينة» ورددت : اومع ذلك» فهم موجودون فی کل مکان» اليش كذلك؟».
بالفعل» إنهم في كل مكان» إلى حذ أن أحدهم تزوج أمَّهاء لكن آرمانوش احتفظت بهذه المعلومة لنفسها.
فقد کانت تتحاشی الخوض في الحديث عن زوج أمَها مع أصدقائها الأرمن. كما أنها لم تكن تتحدث عنه مع أصدقائها من غير الأرمن أيضاًء حتى مع الذين لم يكونوا يبدون اهتماماً في الحياة خارج حیاتهم» ولم
Twitter: @ketab_n 11٤
يكن لهم أي اهتمام بتاريخ الصراع بين الأرمن والأتراك. ولأن حكمة آرمانوش تقول لها إن هذه الأسرار قد تنتشر بين الناس انتشار النار في التي الك كات لر بالصمكم فخا ل في ادي استٹنائي» فانه سيعتبر SS وکانت آرمانوش قد اكتشفت هذه الحكمة وهي في سن مبکرة. أن أمَها كانت «أودار»ء أي غريبة» فما الشيء NS تتزوج غریباً آخر؟ ومع أن هذا الاعتقاد کان سائداً بين أصدقائهاء کان زوج أمَها يعتقد أنه أمريكي» بل وأنه ينتمي إلى منطقة وسط الغرب .
في «شارع تركي» مرت من أمام فندق صغير للمثليين جنسياًء واجتازت بقالية تبيع سلعاً شرق أوسطية» ثم اجتازت سوقاً تايلانديا ا وشاهدت أناساً من جميع المشارب والألوان يتسكعون على الرصيف . ثم استقلت عربة الترام إلى التل الروسي. أسندت جبينها إلى النافذة المكسوة بالغبار» وراحت تفكر «بالأنا الأخرى» في متاهة بورخيس وهي تراقب طبقة الضباب الرقيقة تنجرف بعيداً في الأفق. فقد كانت رارش ات خر أبضا فاك تقها بيت غا أا ذهب
كانت تحبٌ أن تعيش في هذه المدينة التي تجعل حيويتها تنبض في مدعا نة رة أطفارها كانت جد عة فى المجيء إلى هنا المدينة والإقامة مع أبيها وجدتها شوشان. وعلى عكس أمَهاء لم يتزوج أبوها ثانية. مع أنها كانت تعرف أنه كانت لأبيها صديقات في الماضي› لكنه لم يعرّفها على أي واحدة منهن» إما لأن علاقته بهن لم تكن جدية› أو لأنه كان يخشى إزعاجهاء ويرجح هذا السبب الثاني . فقد كان ذلك طبعاً من طباع برصام تشكمكجيان» الذي كان أبعد الرجال عن الأنانيةء وأكثرهم لطفاً ودماثة على وجه الكرة الأرضية» في نظر آرمانوش طبعاً. وحتى الآن لم تجن تصدق كيف تزوج امرأة لا تهتم إلا بنفسها مثل روز. وهذا لا يعني أن آرمانوش لم تكن تحب أمَهاء بل كانت تحبهاء ولكن
Twitter: @ketab_n
بطريقتها الخاصةء لكنها كانت تجد حب أمها المتبرم يكاد يخنقها في بعض الأحيان. لذلك» كانت تهرب إلى سان فرانسيسكو إلى أحضان عائلة تشكمكجيان» حيث تجد حباً رقيقاً ومتطاباً في الوقت ذاته.
ما أن ترجلت من عربة الترام حتى بدأت تغدٌ الخطىء لأن مات هاسينغير سيصل في الساعة السابعة والنصف ليرافقها لتناول العشاء. ولم يتبق لديها إلا أقل من ساعة ونصف الساعة كي تتهيأً للقائه» وهذا يعني أن تأخذ دوشاً وترتدي فستانهاء ربما الفستان الفيروزي اللون» الذي قالت لها عماتها جميعهن إنه يليق بها تماماً. وهذا كل شيء. لا مكياج لا مجوهرات . فلن تجعل من نفسها دمية من أجل هذا اللقاء» ومن المؤكد أنها لم تكن تتوقع الكثير من هذا اللقاء. فإن لم تسر الأمور على ما يرام» فلا بأس. وإذا سارت على ما يرام» فإنها ستكون مهيأة لذلك أيضاً. وهكذا راحت آرمانوش تشق طريقها تحت الضباب الذي يغلف المدينةء وفى الساعة السادسة وعشر دقائق مساء» وصلت إلى شمَّة جدتها ذات الحمّامين في حي التل الروسي» وهو حي مفعم بالحركة شيّد فوق أحد أكثر التلال انحداراً فى سان فرانسيسكو .
«أهلأًء يا حبيبتى» الحمد لله على سلامتك».
للغرابة أن العمَّة سوربان هي التي فتحت لها الباب» لا جدتهاء «لقد اشتقت إليك»)ء زقزقت بموذة» «ماذا فعلت طوال النهار؟ كيف كان يومك؟) .
«کان جیداً»» قالت آرمانوش بهدوء» وتساءلت فی نفسها ماذا تفعل أصغر عماتها هنا في مساء يوم الثلاثاء.
كانت العمة سوربان تعيش في بیرکلي› حيث تدرس منذ الأزلء على الأقل منذ أن كانت آرمانوش طفلة. وهي تأتي إلى سان فرانسيسكو بالسيارة في عطل نهاية الأسبوع» لكن لم يكن من عادتها أن تأتي أثناء
Twitter: @ketab_n ۱71
الأسبوع . لکن السؤال لم يعد يشغل بال آرمانوش ما إن بدأت تروي ما فعلته آثناء يومهاء فقالت بشغف» ووجها يشعَ : «لقد اشتريت بعض الكتب الجديدة» .
اكتب؟ هل قالت ”كتب” مرة أخرى؟» صاح صوت مألوف من الداخل.
كان ذاك صوت عمتها فارسينغ! علقت آرمانوش معطفها الواقي من المطر» وسرت شعرها الذي نثره الهواء» وتساءلت فى الوقت نفسه ماذا تفعل العمَّة فارسينغ هنا أيضاً . فقد كانت ابنتاها التوامان قادمتین هذا المساء من لوس أنجلوس» حيث تشاركان في مباريات كرة السلة. فقد قانت الغتة فارسيتغ في غاب العمانن هة المباراة إلى حد آنا لم تت جیداً خلال الأيام الثلاثة الماضية» ولم تتوقف عن التحدث إلى ابنتيها أو إلى مدربهما على الهاتف. ومع ذلك» فبدلاً من أن تكون في المطار قبل ساعات من وصول طائرة ابنتيها مع الفريق» كدأبهاء ها هي هنا في بيت الجدة تعد مائدة العشاء.
«نعم» قلت كتب*» قالت آرمانوش» ودخلت إلى غرفة الجلوس الفسيحة» وحقيبتها تتدلى من على كتفها.
«لا تنصتي إليها. فقد كبرت في العمر وأصبحت نزقة»» قالت العمُة سوربان مَنْ وراءها وهي تتبعها إلى غرفة الجلوس» «إننا جميعنا فخورون بك يا حبيبتي" .
«إننا فخورون بهاء لكنها يمكنها أن تتصرف حسب عمرها»» قالت العمَة فارسينغ» وهي تضع الصحن الخزفي الأخير على المائدة» ثم ضمت إليها ابنة أخيها وعانقتهاء وأضافت» إن الفتيات في عمرك منهمكات في تجميل أنفسهن. كما تعرفين . وبالطبع فإنك لست بحاجة لأن تفعلي مثلهن»› لكنك إذا قرأت وقرأت وقرأت» فأين سينتهي بك الأمر؟».
Twitter: @ketab_n 11¥
«على عكس ما يحدث في الأفلام» فإن إشارة «النهاية» لا تومض في نهاية الكتاب . فعندما أقرأً كتاباًء لا أشعر بأننى أنهيت أي شىء. لذلك ئی ا کا چدیا ایت رماش غا درن ان ترف کے کات تبدو جميلة تحت نور الشمس الباهت في الغرفة. أسندت حقيبتها على كرسي جدتها وراحت تفرغها مثل طفل متلهّف لرؤية ألعابه الجديدة.
تهاطلت الكتب الواحد فوق الآخر: «ألف وقصص أخرى»» «تحالف البليدين»)ء «إدارة الحزن» «روايات بور خيس المختارة)» «النرجسي وغولدموند»» ملوك المامبو يعزفون أغنية الحبَ)» «مشهد طبيعي مطلي بالشاي»» «المرأة الصفراء وجمال الروح». وكتابان لميلان كونديراء المؤلف الأثير لديها وهما «كتاب الضحك والنسيان» و«الحياة في مكان آخر». وكانت بعض من هذه الكتب جديدة» في حین کانت قد قرأت بعضها الآخر منذ سنوات لكنها شعرت بالرغبة في قرأتها ثانية.
کانت آرمانوش تعرف» ربما ليس عقلانياً بل غريزياً» أن السبب وراء مقاومة عائلة تشكمكجيان لولعها بالكتب شيء أكثر عمقاً من مجرد رغبتهم في تذكيرها بالأشياء التي تنشغل بها الفتيات في عمرها. لا لأنها امرأة فقط» بل لأنها أرمنية أيضاً ولا يتوقع منها أن تكون مولعة بقراءة الكتب . فقد كانت آرمانوش تشعر أن اعتراض العمَة فارسينغ المستمر على قراءتها لی کل فا فا ابا ان یکن ریا وهو الخوف من الفناء. وبكال بساطة» لم تكن تريدها أن تصبح بارزة ومتميّزة عن القطيع . فقد كان الكتّاب والشعراء والفنانون والمثقفون هم أول من أبيدوا من ملة الأرمن في أواخر الحكم العثماني . ففي البدء» تخلصوا من «العقول» ثم بدأوا ينفون الآخرين عامة الناس. وشأن عائلات أرمنية كثيرة في الشتات» تعيش هنا في خير وسلام» لكن القلق لا يزال يتملكهاء لذلك كانت عائلة تشكمكجيان تشعر بالبهجة والغخضب معا عندما ترى أحد أطفالها يقرأ كثيرأء يفكر كثيراً» ويبتعد كثيراً عن الأمور العادية والمألوفة.
Twitter: @ketab_n 11۸
ورغم أن الكتب قد تكون ضارة» لكن الروايات أكثر خطورة. فقد تضللك مسالك القصة بسهولة وتقودك إلى عالم القصص الذي يكون فيه كل شيء سلساًء وخيالياًء ومفتوحاً على المفاجآت مثل الليالي الظلماء في الصحراء. وقبل أن تشعرء يمكنها أن تجرفك بعيداً وقد تجعلك تفقد الاتصال بالواقع - هذه هي الحقيقة الصارمة والبليدة التي يجب على أي أقلية ألا تحيد عنها كثيراً كي لا تفقد يقظتها وتأهبها عندما تهب الرياح وتحل أيام عصيبة. ويجب ألا تكون ساذجاً وتعتقد أن الأمور قد لا تصبح سيئة» لأنهم يفكرون بذلك على الدوام. فالخيال سحر آسر خطير للذين يرغمون على أن يكونوا واقعيين في الحياة» وقد تكون الكلمات سامّة للذين كتب عليهم أن يلوذوا بالصمت دائماً. فإن كنت من بين الأطفال الناجين ولا تزال تريد أن تقرأ وتجترَء فعليك أن تفعل ذلك بهدوء شديدء وبخوف» وبسرية» ويجب ألا تجعل من نفسك قارئاً بارزاً. وإذا لم تكن لديك تطلعات وطموحات عليا في الحياة» فيجب على الأقل أن تكون لديك رغبات بسيطة» وأن تكبت عواطفك وطموحك» وكأآنك لا تمتلك طاقة وقوة تكفيان لأن تجعلاك إنساناً عادياً. وبهذا القدرء وبهذه العائلة» کان على آرمانوش أن تتعلم ألا تظهر مواهبها كثيراً» وأن تبذل ما بوسعها لأن لا تشع كثيراً.
هبت من المطبخ رائحة قوية مفعمة بالتوابل ودغدغت منخريهاء فانتزعتها من حلم يقظتها. «إذن»» صاحت آرمانوش» والتفتت نحو أكثر عماتها الثلاث ثرثرة» وسألتها: «هل ستمكثين حتى العشاء؟».
الفترة قصيرة فقط يا عزيزتي»» همهمت العمَة فارسينغ» «يجب أن أذهب إلى المطار» فكما تعرفين ستعود الفتاتان اليوم. لقد جئت إلى هنا لأعد لكم «مانتي» من صنع يدي» - وشعَّت العمَة فارسينغ بابتسامة مليئة بالزهو - «هل تعرفون آننا حصلنا على بسطرما من يريفان!».
Twitter: @ketab_n ۱۹
«يا إلهي» لن آكل مانتي وبالتأکيد لن آكل بسطرما»» قالت آرمانوش متجهمة» وأضافت: «لا يمكن أن تفوح مني رائحة الثوم هذه الليلة».
«لا توجد مشكلة . فإذا نظفت أسنانك» ومضغت علكة بطعم النعناع فلن تنبعث منك رائحة على الإطلاق». قالت العمَة زاروهي ما أن دخلت الغرفة وهي تحمل طبقاً من «المسقعة» مزينة بالبقدونس وشرائح الليمون. وضعت الصحن على المائدة وفتحت ذراعيها واشتغا لتعانق ابنة أخيها.
بادلتها آرمانوش القبلات وهي تتساءل ماذا تفعل هنا. . .؟ لكنها بدأت تحزر الست sis e أن ياتقي + وج عائلة بذلك الشاب . e واحدة منهن ذريعة مختلفة› للغرض نفسه: فقد كن يرغبن في رؤية هذا الشاب الذي يدعى مات هاسينغير» الشاب المحظوظ الذي سيلتقى بقَرّة أعينهن هذا المساءء ویختبرنه ویحکمن عليه بعیونهن .
نظرت آرمانوش إلى عماتها نظرة بدت يائسة. ماذا بوسعها أن تفعل؟ CG aS یمکنها أن : تقنعهن بأن لا يقلقن عليها في حين توجد لديهن أمور كثيرة يجب أن ينشغلن بها في حياتهن؟ كيف تستطيع أن تتحرّر من تراثها الموروثء وخاصة وأن جزءاً منها يفتخر به كثيراً؟ كيف يمكنها أن تصدَ الذين يحبونها؟ هل يمكن محاربة طيبة القلب واللطف؟
«كل هذا لا يفيد!» قالت آرمانوش لاهثة» «لا معجون أسنانء لا علكة» ولا حتى غسول الفم بطعم النعناع السيء» لا شيء على وجه الأرض يمكنه أن يزيل رائحة البسطرما. فهي تحتاج إلى أسبوع لكي تزول نهائيا . فإذا تناولتِ بسطرما ستصبح رائحتك بسطرما» وستتعرقین بسطرماء وستتنفسين بسطرما لأيام عديدة . حتى أن بولك تصبح رائحته بسطرما!».
Twitter: @ketab_n
«وما علاقة البول بالموعد؟» سمعت آرمانوش عمتها المرتبكة فارسينغ تهمس للعمة سوربان عندما أدارت ظهرها.
كانت لا تزال تعترض» لكنها لم تكن ترغب في أن تتشاجر معهن . توجهت آرمانوش إلى الحمَام» لتجد العم ديكران هناك. كان رأسه داخل خزانة تحت المغسلة» وجسمه الضخم جاث على يديه ورکبتيه.
«عمّو؟» قالت آرمانوش بصوت يشبه الصرخة .
«هلووو!» صاح دیکران ستامبوليان من تحت الخزانة» «هذا البيت ملیء بشخصیات من روایات تشیخوف»» دمدمت آرمانوش لنفسها.
«إذا كان هذا رأيك)» ترذد صوت من تحت المغسلة.
«عمّوء ماذا تفعل؟» .
«كما تعرفين فإن جدتك تتذمر دائماً من الحنفيات القديمة في البيت. لذلك قلت لنفسى هذا المساءء لماذا لا أغلق المحل مبكرأًء وآتى إلى بيت شوشان» وأصلح هذه الأنابيب اللعينة؟».
(نعم» مکی أن رى ذلك»» قالت آرمانوش› وهي تکتم ابتسامة» «بالمناسبة أين هي؟» .
«إنها تأخذ قيلولة». قال ديكران» وقد انسل من تحت الخزانة ليحضر آلة ثني الأنابيب ثم عاد زاحفاً إلى الداخل. «الشيخوخة - ماذا ستفعلين؟ الجسم بحاجة إلى النوم! ستستيقظ قبل الساعة السابعة والنصف» مع ذلك لا تقلقی» .
السابعة والنصف! يبدو أن لكل شخص فى العائلة ساعة منبّه بيولوجية
«ناولینی مفتاح الفك الناعم» سمعت سرا مستاأء» يبدو أن هذا ل يعمل .
Twitter: @ketab_n
زمَّت آرمانوش شفتيها وهي تنظر إلى الحقيبة على الأرض» التي شعَّت منها أكثر من مائة أداة من جميع الأحجام. ناولته ملقطاًء ومفكاًء ومضخة اختبار ضخ الماء قبل أن تجد مفتاح الفك الناعم» الذي تبين أنه لا تخل أيبقا. :وعنذما رات ارمانوش أنه تخل علهاآن تاخذ وها والعمَّ ديكران» السبّاك المستحيل» لا يزال يصلح الأنبوب» اتجهت إلى غرفة نوم جدتهاء فتحت الباب قليلاء ومدت رأسها إلى الداخل. ها هي نائمة بخفة ولكن بهدوء وسعادة لا توجد إلا لدى المسنات اللاتي يحيط بهن أولادهن وأحفادهن. امرأة جذابة ذات جسم نحيل لكنها تتحمل كثيراً» ومع تقدمها في العمر ازدادت قصراً ونحافة . فعندما بدأت تشيخ»› أصبحت بحاجة إلى قليل من النوم أثناء النهار. وكانت تستيقظ في الليل . لكن الشيخوخة لم تقلل من أرق شوشان التي لم يدعها الماضي تستريح كثيراًء كما كانت تقول عائلتها؛ إذ إن فترات القليولة القليلة العابرة هذه كانت تعوض لها ذلك . أغلقت آرمانوش الباب وتركتها تنام .
أصبحت المائدة جاهزة عندما عادت إلى غرفة الجلوس. كن قد وضعن لها صحناً أيضاً. تساءلت كيف يمكنها أن تأكل مع أنها ستخرج مع ذلك الشاب بعد أقل من ساعةء لكنها فضلت ألا تسأل. فمن الخطأً الفاحش أن تكون عقلانياً فى هذه العائلة. وبوسحها أن تتناول قليلاً من الطعام لتدخل لال فد ها غا ا الطعام. فقد كانت أمَها في أريزونا تحرص على أن تبقي المطبخ الأرمني بعيداً عن حدود مطبخها بقدر الإمكان» وكانت تجد متعة كبيرة في ذم جيرانها وأصدقائها والحط من قدرهم . وكانت مولعة في أن تلفت الاهتمام إلى طبقين اثنين كانت تستخف بهما علناً كلما أتيحت لها الفرصة إلى ذلك : أقدام العجل المطبوخة والأمعاء المحشوة. تذكرت آرمانوش كيف اشتكت روز ذات مرة إلى جارتهما السيدة غرينيل .
Twitter: @ketab_n 1۲۲
«يا إلهي»» صاحت السيدة غرينيل ونبرة من الاشمئزاز تتخلل صوتهاء «هل يأكلون الأمعاء حقاً؟» .
«أوه نعم . أومأت روز بحماس» «صدقيني» إنهم يأكلونها. يتبّلونها بالثوم والبهارات» ويحشونها بالرز» ويلتهمونها بشغف» .
وحمحمت المرأتان وربما سخرتا أكثر لو لم يلتفت إليهما زوج آم آرمانوش في تلك اللحظةء وقال ونظرة متعبة تكسو وجهه: «وماذا في ذلك؟ إنها تشبه «الممبار». يجب أن تجرباها فى وقت ماء إنها لذيذة حقاً) .
«هل هر أرمنى أيضاً؟ همست السيدة غرينيل عندما غادر مصطفى الغرفة.
«طبعاً لا٤» قالت روزء وأخذ صوتها يبخفت شيئاً فشيئاً . الكن لديهم أشياء مشتر كة) .
K¥####
لعلع صوت الجرس» فانتزع آرمانوش من غيبوبتها وجعل الأخريات يقفزن مذعورات. لم تكن الساعة السابعة بعد. يبدو أن دقة المواعيد ليست من مایا مات هاسینغير. وکا لو آن اخدا قد فط على زر ما اندفعت العمّات الثلاث جميعهن إلى الباب لكنهن لم يفتحنه. أصاب العمْ ديكران رأسه بالخزانة التى كان لا يزال يعمل تحتهاء وفتحت الجدَة وان تیا نغور طت انرک الوحيدة هادئة ومتماسكة. وبخطوات مدروسة سارت نحو الباب تحت نظرات عماتها وفتحته .
«بابا!! ٠! خرج صوت آرمانوش مثل مزمار مبتهجة» «ظننت أن لديك اجتماعاً هذا المساء. كيف حدث وأن أتيت إلى البيت في وقت مبكر جدا؟).
لكنها قبل أن تنهي سؤالهاء عرفت آرمانوش الجواب.
Twitter: @ketab_n ۳
ابتسم بارسام تشكمكجيان ابتسامته الناعمة المعروفة وبرزت على وجنتیه هاتان الغمازتان وعانق ابنته. كانت عيناه تتألقان بفخر يشوبهما شيء من القلقء وقال لآرمانوش: «نعم» لكن لم يُعقد الاجتماع» لقد أجلنا الاجتماع». وعندما ابتعد عن مدى سمعهاء همس لأخواته: «هل وصل؟).
كانت الدقائق الثلاثون الأخيرة التي سبقت وصول مات هاسينغير مشحونة بمشاعر متصاعدة من الخوف والتوتر من قبل الجميع ما عدا آرمانوش . فقد جعلوها تجرّب عدة فساتين» وتسير أمام كل واحدة منهن لترى كيف تبدوء إلى أن توصلن إلى قرار من طرف واحد: الفستان ذو اللون الفيروزي» مع أقراط تتماشى معه» ومحفظة حمراء غامقة موشاة بالخرز»ء قالت العمَة فارسينغ إنها تضيف عليها لمسة أنثوية» وبلوزة زرقاء غامقة منفوشة» لكي لا تبرد. كانت آرمانوش تعرف أنها يجب ألا تسأل شنيا: فبطريقة SE SES Ss عیون آل تشکمکجیان» «فالخارج» ي ينی «أرضاً باردة٠» ولكي تزور هذا العالم» يجب أن ترتدي بلوزتك» التي بُفضل آن تکون اة اليد اشا وكانت تعرف قليلاً من ذلك منذ طفولتهاء بعد أن أمضت سنواتها الأولى تحت البطانيات المحشوة بالريش التي كانت جدتها تحيكها لها وتخيط على حوافها الحروف الأولى من اسمها. فمن المستحيل أن تنام دون أن تغطي جسمك»› ون تخرج إلى الشارع دون أن ترتدي كنزة صوفية لأن ذلك سيكون خطأ فادحاًء» فمثل بيت يحتاج إلى سقف» يحتاج البشر أيضاً إلى جلد إضافي يفصل بينهم وبين العالم كي يشعروا بالدفء والأمان.
ما أن وافقت آرمانوش على ارتداء بلوزتها وانتهى الجزء المتعلق بارتداء الثياب» حتى طلبن منها طلباً آخر» وهو طلب متناقض في اللأساس» لكن ليس بالنسبة لعائلة تشكمكجيان .
فقد كانوا يريدونها أن تشاركهم الطعام» كي تكون مستعدة وقوية لعشاء الليلة.
Twitter: @ketab_n ۲٤
«لکن يا حبيبتي› إنك تأكلين كالعصفور. لا تقولي لي إنك لن تتذوقي الشديد البارز في عينيها البنيتين الداكنتين مما جعل آرمانوش تتساءل إن كان طق الماش يعلى شيا أكر من الحياة والموت.
اعمُتي» لا أستطيع؟» أطلقت آرمانوش زفرة» «لقد ملأت صحنى بالقطايف . دعيني أنهيها أولاًء إن هذه الكمية كثيرة على“ .
احسناً إنك لا تريدين أن تفوح منك رائحة اللحم والثوم!ء قالت العمة سوربان وفي صوتها نبرة خبيثة» «لذلك قدمنا لك قطايف بالقيمق . وبهذه الطريقة ستفوح من نَمَسك رائحة الفستق الحلبي» .
«لماذا يريد أحد أن تفوح منه رائحة الفستق الحلبي؟» سألت الجدة شوشان مندهشة» لأنها لم تحضر الجزء الأول من الحديث. الذي لم يكن سيعني لها شيئاً على أية حال .
«لا أريد أن تفوح مني رائحة الفستق الحلبي٤» قالت آرمانوش وقد اتسعت عيناها بالإحباط واليأس والتفتت إلى أبيهاء مرسلة إشارة استغاثة» منتظرة أن ينقذها.
قبل أن يتمكن بارسام تشكمكجيان من أن يتفوه بأي كلمةء بدأ هاتف آرمانوش الخلوي يرن مصدراً لحناً كلاسيكياً لتشيكوفسكي : «رقصة جنيّة أجاص السكر». أمسكت الهاتف ونظرت بتجهم إلى شاشته الصغيرة. إنه رقم خاص. قد یکون أي شخص» بل ربما کان مات هاسینغیر» يتصل بها ليعتذر ویلغی العشاء هذه الليلة. وقفت آرمانوش هناك باضطراب ممسكة الهاتف . وفى الرّنة الرابعة» أجابت» راجية ألا تكون أَمَها.
وقد کانت .
«حبيبتي» هل يعاملونك جيدا؟» کان ول شيء سألتها.
نعم ماما»» ا بصوت خال من أي نبرة. فقد اعتادت
Twitter: @ketab_n 1o
على ذلك الآن. فمنذ أن كانت صغيرة» كانت أمَها تتصرف وكأن حياتها في خطر عندما تأتي لزيارة بيت تشكمكجيان .
«آمي» لا تقولي لي إنك لا تزالين في البيت؟» .
لقد تعرّدت آرمانوش على ذلك أيضاً. فمنذ انفصال أبويهاء حصل فراق من نوع مختلف بين أمَها وبين اسمها. فلم تعد تناديها «آرمانوش»» وکأنها كانت ترد أن تخيّر اسم ابتتها كي تتمكن من مواصلة حبها لها. لكن آرمانوش لم تخبر أحداً في عائلة تشكمكجيان عن تغيير اسمها حتى يومنا هذا. إذ يتعين على المرء أحياناً أن يحتفظ ببعض الأسرار» والتي يوجد لديها الكثير منها.
الماذا لا ترذين على الهاتف؟» قالت أمَها بإصرار: «ألن تخرجي الليلة؟) .
توقفت آرمانوش» مدركة تماماً أن جميع من في الغرفة يتنصتون إلى ما تقوله. «نعم» يا أمّي»» كان كل ما قالته بعد صمت أخرق .
«لا أظن أنك غيّرت رأيك؟».
«لاء يا آمّي. لكن لماذا لديك رقم خاص؟».
«حسناًء لدي أسبابي الخاصةء مثل أي أمْ. إذ إنك لا ترذين دائماً على الهاتف عندما تعرفين أنى أنا المتصلة»» وخفت صوت روز على نحو كثيب ليرتفع ثانية› «هل سيلتقي مات بالعائلة؟».
انعم» يا آمَي».
سيكون هذا خطأ كبيراً. إنهم سيخيفونه. أوه عمّاتك» آنت لا تعرفينهن» إنك فتاة طيبة جد ولا تستطيعين أن تري الأمور السيئة فيهن› إنهن سيثرن فزع الصبي المسكين بأسئلتهن واستفساراتهن».
لم تنبس آرمانوش بكلمة. كانت هناك هسهسة غريبة على الخط وتوفعت أن أَمّها تنظف شعرها فيما تطلتق فيه العنان للسانها.
Twitter: @ketab_n
«حبيبتي» لماذا لا تقولين شيئاً؟ هل هم جميعهم هناك؟» سألت روز. وجاء صوت هسیس مکتوم آخر» لکنه لم یبد لآرمانوش أنه صوت تمشيط شعر. بل بدا مثل شيء يسقط في سائل طري دون أن يحدث طرطشة» بل رت را ت فی عا ار جد
«أوه» لماذا أسأل عن الأشياء الواضحة؟ بالطبع إنهم هناك. جميعهم»› أراهن على ذلك . إنهم لا يزالون يكرهونني» أليس كذلك؟» .
لم یکن لدی آرمانوش أي رذ. وکان بإمکانها أن تتصور روز» وهي تقف في المطبخ ذي الخزانات بلون السلمون التي بدأت تتقشر»ء والتي كانت تخطط لتجديدها لكنها لم تكن تملك النقود أو الوقت للقيام بذلك» وشعرها مرفوع في شكل كعكة» وجهاز الهاتف اللاسلكي ملتصق بأذنهاء ومقلاة بيدها الأخرى» تصنع كومة من الفطائر وكأن هناك جيشاً من الأطفال في البيت» فقط لتأكلها جميعها وحدها في آخر النهار. وكان بإمكانها أن تتصور زوج أمَها أيضاً» مصطفى قازانجي» وهو جالس إلى مائدة المطبخ» يحرّك الحليب القليل الدسم في قهوته وبتصفح جريدة أريزونا ديلي ستار على عجل .
فبعد أن تخرّج مصطفى من جامعة أريزونا وتزوّج روز» عمل في شركة للمشروبات المعدنية في المنطقة» وحسب ما تتذكره آرمانوش» فقد كان يجد متعة بعالم الروك أند رول أكثر من أي شيء آخر. لم يكن رجلاً سيئا» وإذا كان ثمة عيب فيه فإنه كان بليداً بعض الشيء. ولم يكن يبدو أن لديه أي ولع أو رغبة بأي شيء في الحياة. ولم يسافر إلى إستانبول منذ مدة لا يعرفها إلا اللهء مع أنه توجد لديه عائلة هناك . وکانت آرمانوش تشعر بأنه كان يريد أن ينفصل عن ماضيه» لكنها لم تكن تعرف لماذا. وعندما حاولت بضع مرات أن تتحدث معه عن أحداث عام ۱۹۱١ وماذا فعل الأتراك بالأرمنء أجابها مصطفى: «لا أعرف الكثير عن هذه
Twitter: @ketab_n 1۲۷
الأشياء»» وأسكتها بلطف ولكن بحزمء «لقد أصبح كل هذا يتعلق بالتاريخ . يجب أن تتحدثي عن ذلك مع المؤرخين» .
«آمي» هل ستکلميني؟» بدا صوت روز غاضباً الان .
«ماماء يجب أن أغلق الخط. سأتصل بك فيما بعداء قالت آرمانوش . وسمعت على الهاتف صوت نقرة غير متوقعة مصحوبة بصوت هسيس آخر» فخْيّل إليها أن أمَّها قد وضعت قطعة أخرى من عجينة الفطيرة في المقلاةء أو أنها بدأت تنشج . وفضلت آرمانوش أن يكون ظنها الأول.
عادت إلى المائدة منزعجة» e وأمسكکت ملعقتهاء متحاشية النظر في عيونهم» وبدأت تلتهم ما كان أمامها» سوى أنه لم يكن الشيء الذي كانت تريد أن تتناوله. ولم تدرك خطأها إلا بعد بضع ملاعق أخرى .
«لماذا علي أن أتناول مانتي؟» صاحت آرمانوش
«لا أعرف» يا حبيبتي)» ردت عليها العمَةَ فارسينغ» محدقة فيها بخوف وكأنها كانت مخلوقاً جديداً. «لقد وضعته هناك لعلك کنت تریدین أن تجربيه . ويبدو أنك جربتيه».
اعترت آرمانوش رغبة في البكاء. فاستأذنت وذهبت إلى الحمَام لتنظف أسنانهاء وهي تشعر بالأسف لهذا الموعد السخيف. وقفت آمام المرآة ممسكة أنبوب معجون الأسنان نصف المعصور»ء وفى عينيها نظرة شخص على وشك أن ينبذ المجتمع إلى الأبد ويصبح ا وان وحیداً فوق قمة جبل مهجور. كيف يمكن لمعجون أسنان كولجيت توتال المبيّض أن يزيل رائحة المانتي الفاضح؟ ربما كان عليها أن تتصل بمات هاسينغير وتلغي الموعد؟ فقد كان كل ما تريد أن تفعله هو أن تستلقي في السرير وتقرأً الروايات التي اشترتها. تقرأً وتقرأ حتى يسيل الدم من أنفها وتتهدل عیناها. هذا کل ما کانت تریده.
Twitter: @ketab_n 1۸
«كان يجب أن تمكثي في السرير وتقرئي رواياتك»» وتخت الوجه المألوف لديها في المرآة.
«هراء!» جاء صوت العمَة زاروهي» التي رأتها واقفة إلى جانبها في المرآة: «إنك صبِيَّةَ جميلة وتستحقين أفضل رجل في العالم . الآن وا نرى قليلاً من الجمال والبهاء الأنشوي. ضعي قليلاً من أحمر الشفاه يا آنستي!٠ .
وقد فعلت ذلك. لم يكن مكتوباً على الجزء السفلي من أنبوب أحمر الشفاه «جمال وبهاء أنثوي» بل شيئا قريباً من ذلك: فقد كتب عليه رونق الكرز. وضعت آرمانوش أحمر الشفاه بسخاءء» ثم أخذت تربت بمندیل على شفتيها ومسحت معظمه. كان ذلك عندما رن الجرس. الساعة السابعة واثنتان وثلاثون دقيقة! يبدو أن الدقة فى المواعيد إحدى ميزات مات هاسینغیر .
وبعد دقيقة کانت آرمانوش تبتسم لمات هاسینغیر الذي يرتدي ثياباً أنيقة . كان مستثاراً ومضطرباً قليلاً وهو واقف عند الباب. وكان يصغرها بثلاث سنوات - وهو أمر تافه لم تشعر بالحاجة لأن تذكره لأحد إلا أن ذلك كان واضحاً فى وجهه»ء إما لأنه فعل شيا بشعره الذي حلقه قصيراًء أو لأنه ارتدى ا و عادة. فقد کان مات هاسينغير يرتدي سترة بنية داكنة من جلد الخروف وبنطلون من ماركة رالف لورين. كان يبدو مثل مراهی يرتدي ثیاب بالغین. دخل وهو يحمل باقة ضخمة من الزنبق القرمزي بيده اليسرى» ابتسم لآرمانوش» ثم لاحظ حشداً يقف وراءها فتجمّدت أوصاله . كانت عائلة تشكمكجيان جميعها تصطف وراء آرمانوش .
«تفضل أيها الشابًّ)» قالت العمَّة فارسينغ مشجعة إياه» بصوت بدا
Twitter: @ketab_n ۹
صافح مات هاسينغير جميع أفراد العائلة» وهو يشعر بنظراتهم المتسائلة تنتهك وجهه. فقد ثقته بنفسه في الحالء فاضطرب وأخذ العرق يتفصد منه . تناولت منه إحداهن-باقة الزهر» وأخذت أخرى سترته. وبعد أن خلع سترته» بدا مثل طاووس منتوف الريش» واتجه نحو غرفة الجلوس وألقى بنفسه على أول كرسي وقعت عيناه عليه . وتحلّق الجميع حوله بشكل هلال. تبادلوا بضع كلمات عن الطقس› وعن دراسته (فقد كان طالباً في كلية الحقوق» وهو شيء قد يكون جيداً وقد يكون سيئاً)» وعن عائلته (كان الطفل الوحيد» وهو أمر قد يكون جيداً وقد يكون سيئاً)» وعن والديه (كانا محاميين أيضاً» وهو أمر قد يكون جيداً وقد يكون سيثاً)» وعن مدى معرفة مات بالأرمن (ليس كثيرأً» وهو شيء سيء» لكنه كان متحمساً لتعلم المزيدء وهو شيء جيد أيضاً)» ثم عادوا للحديث عن الطقس قبل أن يسود صمت ثقيل. وطوال خمس دقائق» لم ينبس أحد بكلمة» إلا أنهم جميعهم كانوا يبتسمون وكأن ثمة شيء قبع في حناجرهم وقد وجدوا طرافة في ذلك. من هذا الوضع المحرج»› كانوا على وشك أن ينتقلوا إلى طريق كئيب مسدود» إلا أن تلفون آرمانوش الذي رن مرة أخرى أيقظهم من سباتهم . نظرت آرمانوش إلى شاشة الهاتف بإمعان وقرأت «رقم خاص». أغلقت الهاتف» وتركته يتذبذب. عقدت حاجبيها» وزمّت شفتيها» وكأنها تريد أن تقول لمات «لا تكترث بالأمر؛» لكنه لم يفهم قصدها لا هو ولا الآخرون جميعهم .
في الساعة السابعة وخمسة وأربعين دقيقة» خرجت آرمانوش تشکمکجیان ومات هاسينغير من البيت أخيراًء وراحا يسيران بخطى ثابتة على طول شارع هايد ستريت متجهين إلى مطعم» سمع مات أنه مطعم لطيف ورومانسي : «النافذة المائلة» .
«أرجو أن تحبي الطعام الآسيوي وفيه لمسة من التأثير الكاريبي»» قال لھا مات ضاحکا» مستمتعاً بکلماته : «لقد أوصى لي به كثیرون» .
Twitter: @ketab_n ۳۰
بالنسبة لآرمانوش لم تكن عبارة «أوصى لي به كثيرون» معياراً جيداً وخاصة لأنها كانت تحذر دائماً من عبارة أكثر الكتب مبيعاً التي «ايوصي بقراءتها كثيرون»» ومع ذلك لم تعارضهء راجية آلا تكون ا صحيحة في نهاية الليلة .
لكنه تبين أنه بعيد تماما عما أوصوا به لمات. فقد كان عبارة عن ملتقى شعبي للمثقفين والفنانين في المدينة» وقد يكون مطعم «النافذة المائلة» أي شيء لكنه لا يمكن أن يكون مطعماً رومانسياً لطيفاً. بل كان عبارة عن مخزن غير تقليدي ذي سقوف عالية» وأضواء مزخرفة تتدلى من السقف» وجدرانه تتلألأ بلوحات من الفن التجريدي المعاصر. وكانت تكسوه كله» من رأسه وحتى أخمص قدميه حلة سوداء» وكان الندل يتحركون بسرعة حول الطاولات مثل مستعمرة نمل اكتشفت كومة من حبيبات السكر. وقدمت مستعمرة الندل أطباقاً معدة بطريقة فنية › مع أن زبوناً جديداً سيحل محلك» ربما نفح النادل إكرامية أكبر. ولم تكن قائمة الطعام مفهومة جيداً. وكأن المحتويات لم تكن في الأصل تثير الحيرة والبلبلة في النفس» إذ شكل ورين كل طبق وكأنه لوحة تعبيرية تجريدية.
وكان لدى كبير الطهاة الهولندي ثلاثة طموحات في حياته: أن يصبح فیلسوفاًء أو أن يصبح رساماء أو أن يصبح كبير الطهاة في أحد المطاعم . وما أنه فشل بمهارة في كل من الفلسفة والفنَ في سني شبابه» وظف جميع مواهبه التي لم يقدرها أحد في مطبخه. لذلك» كان يفتخر بأنه استطاع أن يجسد المجرّد من جديد» وأن يدخل إلى الجسد البشري قطعة فنية انبثقت من رغبة فنان فى أن يجسّد حالته العاطفية الداخلية ويخرجها إلى العلن. هنا في مطعم النافذة المائلة» لم يكن تناول الطعام شيئاً يتعلق بالطهى أكثر مما كان شيا فلسفياًء ويجب ألا تعتبر أن عملية الأكل يوجهها دافع أساسي لملء معدتك أو لتكبت جوعك» بل كانت توجهها رقصة سامية من الرغبة في إفراغ أمعائك .
Twitter: @ketab_n ۳۱
وبعد محاولات محبطة عديدة لاختیار ما سيأكلانه» قررت آرمانوش أن تختار طبقاً من سمك التونا أهي النيء» تكسوه طبقة من السمسم وقطعة كبد أوزة ياكينيكو» وقرر مات أن يجرب قطعة من الضلع مع صلصة كريمة الخردل الحارة تكسوها طبقة من الزيت والخل مع الخردل والثوم وسلطة جيكاما. ولم يكن يعرف ما نوع النبيذ الملائم لهذه الأطباقء لكنه لكي يعطيها انطباعاً جيداًء بدأ مات يفتش في قائمة النبيذ» وبعد خمس دقائق من الحيرة» فعل ما يفعله دائماً عندما لم يكن يعرف ماذا يطلب: وهو أن يتخذ قراره بالنظر إلى ثمن النبيذ. فقد كان نبيذ كابيرنيت سوفينيون ۷ غالیاً» لکنه کان لا یزال ضمن إمکانیاته . وبعد أن طلبا وجبتیهماء حاولا أن يعرفا إن كان خيارهما موفقاً من قسمات وجه النادل الذي كان يقدم لهما الأطباقء إلا أنهما لم يجدا سوى صفحة فارغة من التهذيب المسرف,
تحدثا قليلاً. فقد تحدث هو عن المهنة التي كان يريد أن يبنيهاء وتحدثت هى عن الطفولة التى كانت تريد أن تهدمها؛ تحدث هو عن ال قدت هى عن آفار النافي ؛ تحدث هو عن توفعاته في الحياة» وتحدثت هي عن ذکريات العائلة. وبدأت «جنية أجاص السكر» تتراقص عندما كانا على وشك أن يخوض في موضوع آخر. نظرت آرمانوش إلى الرقم بغضب. لم يكن رقماً مألوفاًء لكنه لم يكن رقا خاضا ابضاً: فأجابت .
«آمي» أين أنت؟» .
تأتأت آرمانوش بذهول: «ما- ما! كيف . . . لماذا رقمك مختلف الآن؟» .
«أوه» لأنني أتصل بك الآن من هاتف السيدة غرينيل الخلوي»ء اعترفت روز» «لم يكن علي أن أفعل ذلك» لكني اضطررت لأن أفعل ذلك لأنك لا تردين على اتصالاتي» طبعاً» .
Twitter: @ketab_n ۲۲
رمشت عينا آرمانوش وهي تنظر إلى النادل وهو يضع طبقاً غريب الشكل أمامهاء يتكون من ألوان حمراء» ولون بني فاتح» وأبيض. ووسط صلصة تشبه ضربات فرشاة ملطخة قبعت ثلاث قطع كروية من سمك التونا اليء الأحمر»› ومح بيض أصفر ناصع» شكلت جميعها وجهاً يبدو عليه اللأسف بعينين غائرتين . كانت لا تزال تمسك بالهاتف الخلوي بالقرب من أذنھا لکنها لم تعد تنصت إلى أمَهاء زمّت آرمانوش شفتيهاء وهي تحاول أن تفكر كيف ستأكل وجهاً.
«آمي» لماذا لا تردين علي؟ ألست أمَك؟ ألا تمنحيني على الأقل نف الحقرق الى تنحينها لمائلة شكمكجيان؟ا:
«ماماء أرجوك»» قالت آرمانوش» لأن هذا السؤال بدا وكأن الإجابة عنه تكمن في أن ترجوها بأن ألا تسأله. قوست کتفيها وکأن وزن جسمها تضاعف . لماذا تجد صعوبة كبيرة في التواصل مع أمَها؟
وبعد أن أعطتها عذراً سريعاً ووعدتها بأن تتصل معها لدى عودتها إلى البيت» أغلقت آرمانوش الهاتف وأطفأته . واختلست نظرة إلى وجه مات لترى إن كانت هذه المخابرة قد أزعجتهء لكنها عندما رأت أنه لا يزال يمعن النظر في صحنه» زال قلقها. لم يكن صحن مات مستديراً» بل مستطيلاًء وقد فُسّم فيه الطعام إلى قسمين يفصلهما خط مستقيم تماما من صلصة كريمة الخردل. ولم يدهشه التصميم أو الألوان أكثر مما أدهشته دقة الترتيب. ابتلع ريقه بصعوبة وكأنه كان يخشى أن يفسد استطالة الصحن .
كان صحناهما نسختين طبق الأصل من لوحتين تعبيريتين . فقد كان صحن آرمانوش من لوحة للرسام فرانسيسكو بوريتي بعنوان «العاهرة العمياء؛» بينما كان صحن مات مستوحى من إحدى لوحات مارك روثكو التى كان عنوانها عن جدارة «بدون عنوان». استغرق الاثنان في صحنيهما إلی ح آنھما لم پسمعا التادل وهو يسالھما إن کان کل شيءَ على ما يرام:
Twitter: @ketab_n ۳۳
كانت بقيّة الأمسية لطيفة» لكن بقدر ما يمكن أن تعنيه كلمة «لطيفة» فقط . وتبين لهما أن الطعام لذيذ وسرعان ما راحا يلتهمان القطع الفنية بسرعة» إلى درجة أنه عندما وصلت الحلوى» لم يجد مات مشكلة في أن يمزج حبات العنب المصفوفة بدقة كبيرة بلوحة «كآبة نيسان تجعل أيار أصفر» للرسام بيتر كيتشيل» بل لم تتردد آرمانوش في أن تطعن بملعقتها الكاسترد المخملي الرجراج الذي كان يمثل «المادة البراقة» بريشة جاكسون بولوك. لكن عندما جاء دور الحديث» لم يحرزا نصف ما أحرزاه في تناول الطعام . إلا أن هذا لا يعني أن آرمانوش لم تستمتع برفقة مات أو أنها لم تجده جذاباً. بل كان ثمة شيء مفقوداً إلى درجة رهيبة» لا بمعنى أن ثمة تفصيلا كان ينقص الشيء كله» بل بمعنى الذوبان التام إلى قطع بدون ذلك الجزء المفقود. لعله كان طعاماً فلسفياً إلى أقصى حد. لكن آرمانوش کانت تعرف حدودهاء وربما لم تستطع آن تقع في حبٌ مات هاسينغير . وعندما توصلت إلى هذا الاكتشاف» كفت عن التساؤل» وحل العطف التام عليه مكان اهتمامها به .
في طريق عودتهما إلى البيت أوقفا السيارة ومشيا قليلاً على طول جادة كولومبوس» وكانا كلاهما جدَّياً وصامتاً. إلا أن هبة النسيم تغيرت بعد ذلك إذ هبّت على آرمانوش نفحة مالحة لاذعة من هواء البحر» فشعرت بالاشتياق لأن تكون ممدة الآن على شاطى البحر» وتملكتها رغبة جامحة للهروب من هذه اللحظة بالذات. لكنهما عندما وصلا أمام مكتبة «أضواء المدينة٠» ٠لم تستطع إلا أن تتوقف وتنظر باهتمام عندما رأت أحد كتبها المفضلة من وراء واجهة العرض: «قبر لبوريس دافيدوفيتش» .
قالت له: «هل قرأت هذا الكتاب؟ إنه كتاب رائع!»» وعندما سمعت كلمة «لا٤» أخذت تحكي له أول قصة من الكتاب» ثم تلتها القصص السبع كلها. وبما أنها كانت تعتقد حقاً أنه لا يمكنك أن تفهم الكتاب جيدا دون أن ترسم أولاً خارطة عن التضاريس الوعرة لأدب أوروبا الشرقية»
Twitter: @ketab_n ٤
وبذلك نقضت آرمانوش تشكمكجيان الوعد الذي كانت قد قطعته على أَمَها صباح هذا اليوم بأن لا تقل كلمة واحدة عن الكتب» على الأقل في
عندما عادا إلى حي التل الروسي» وأصبحا أمام بناية الجدّة شوشان» وقفا وجهاً لوجه» وقد أدرك كل منهما أن الليلة قد انتهت. وأنهما يرغبان فى أن يجعلا النهاية أفضل من نهاية الأمسية السابقة كما يعتقدان أنها ستنتهى . فقد كانا يهدفان أن تكون قبلة حقيقية» طال انتظارها وتخْيّلها. لكن بدلاً من ذلك تبين أنها كانت قبلة ناعمة مختومة بالشفقة والحنان من جانب آرمانوش» وبالإاعجاب من جانب مات» بعد أن كانت تفصلهما أميال عن الإحساس بأي عاطفة اتجاه أحدهما الآخر.
«أتعرفين كنت أنوي أن أقول لك ذلك طوال الأمسية»» قال مات متلعثماًء وكأنه مسرج بالحقيقة المزعجة التي كان على وشك أن يعترف بها : «لديك هذه الرائحة الرائعة . إنها رائحة غير عادية وغريبة. . . مثل».
«مثل ماذا؟» وشحب لون وجه آرمانوش عندما برقت فى رأسها صورة صحن «مانتى» يتصاعد منه البخار. رائحة الفستق الحلبى».
في الساعة الحادية عشرة والربع» أخذت آرمانوش تبحث عن حزمة المفاتيح لتفتح الأقفال العديدة التي أقفل بها باب بيت الجدذة شوشان» لكنها كانت تخشى أن تجد أفراد العائلة جميعهم بانتظارها في غرفة
إلا أن العتمة كانت تخيم على المكان ولم يكن هناك أحد. فقد أوى أبوها وجدتها إلى الفراش»ء وهكذا فعلت الأخريات. وجثم على الطاولة صحن فيه تفاحتان وبرتقالتان» جميعها مقشرة بعناية عرفت أنها تُركت من
Twitter: @ketab_n 0
أجلها. أمسكت آرمانوش إحدى التفاحتين» التي أصبح لونها داكناً من الخارج . i ea E a E وقد اعتراهال شعور بالحزن والتعب . إذ إنها ستعود إلى أريزونا قريباًء لکنھا لم تکن! متأكدة إن كانت ستتحمّل عالم آمَها الذي يهيمن عليها بالكامل . ۰
تحب أن تعيش هنا في سان فرانسيسکو» وربما کان باستطاعتها أن تتوقف' ا مع آبیھا وجدتها د شوشان» کما کانت « أن ثمة شيئاً غائباً هناء بأن من هويتها کان مفقوداً وبدونه لن تستطیع. ن تعيش حياتها الخاصة بها. ولم يسهم اللقاء الباهت مع مات هاسينغير؛ إلا في تعزيز هذا الشعور. فقد شعرت أنها اكتسبت مزيداً من الحكمة: الآن» وأصحت تدرك الها آأكتر» لها شرت بالحرن لما لفت هذه الححفة:
ألقت حذاءها من قدميها» وهرعت إلى غرفتهاء وأخذت الفاكهة معها. ضمت شعرها في شكل ذنب حصان» وخلعت فستانها الفيروزي»' وارتدت بيجامتها الحريرية التي اشترتها من الحيّْ الصيني. وعندما أصبحت' مستعدّة» أغلقت باب غرفتهاء وفتحت الكمبيوتر في الحال. واستغرقت: دقائق قليلة كي تصل إلى الملاذ الوحيد الآمن الذي كان بإمكانها أن تلجا إليه في أحیان کهذه: مقهى کونستانتينوبوليس .
کان مقهى كونستانتينوبوليس» غرفة من غرف الدردشة على الانترنت› أو كما يسميه الرواد النظاميون» مقهى الإنترنت› صمّمه في الأصل عدد من الشبان اليونانيين الأمريكيين» واليهود الشرقيين الأمريكيين» والأرمن الأمريكيين الذين كان يجمعهم» فضلاً عن كونهم من أهالي نيويوركء. شيء أساسي مشترك واحد وهو أنهم أحفاد عائلات كانت تعيش ذات يوم في إستانبول. وعندما فتح الموقع انطلتق اللحن المعروف: «كانت إستانبول القسطنطينية/ أما الآن فهي إستانبول» وليست القسطنطينية) .
بهذا اللحن ظهرت صورة مظللة للمدينة تحت ظلال تتلألاً عن
Twitter: @ketab_n ۳٢
الغروب» كان يغطيها من الأعلى لون بنفسجي وأسود وأصفر. وفي منتصف الشاشة سهم يومض مشيراً إلى المكان الذي يجب أن تنقر عليه كى تدخل إلى غرفة الدردشة. ولكي تدخلء عليك أن تكتب كلمة السر. الناحية النظرية» أما من الناحية الحملية» فقد كان مخصصاً للرواة المنتظمين. ورغم أن عدداً كبيراً من الأشخاص كانوا يظهرون يوماً بعد خر إلا أن المجموعة الرئيسية بقيت نفسها تقريبا. وغا أن تتمكن من الدخول» حتى تخفت الصورة الظليّة في الأسفل وتنسحب» كما تُفتح ستارة مسرح مخملية قبل بدء الفصل الأول . وعندما تدخل إلى مقهى الإنترنت» تسمع قرع أجراس ترن» ثم تسمع اللحن ذاته» لكنه يكون بعيداً فى الخلفية هذه المرة.
عندما دخلت آرمانوش إلى غرفة الدردشة» تجاهلت غرف «العزاب الأرمن»ء و«العزاب اليونانيين»» ومنتديات «جميعنا عزاب» ونقرت على شجرة أنوش - وهو منتدى يلتقي فيه الأعضاء النظاميون ممن لديهم اهتمامات ثقافية . كانت آرمانوش قد اكتشفت هذه المجموعة منذ عشرة شهور» وأصبحت أحد أعضائهء وكانت تشارك في المناقشات كل يوم تقريباً. ورغم أن بعض الأعضاء كانوا يظهرون بين الحين والآخر أثناء العمل والهموم اليومية. وكان يحلو لآرمانوش أن تتخيّل هذا المنتدى مثل حانة معتمةء يعلوها الدخانء ترتادها وهى عائدة إلى البيت. وهكذا كان مقهی كونستانتينوبوليس ملاذاً يمكنك أن تتخلى عند مدخله عن ذاتك الحقيقية الرتيبة» وكأنك تخلع معطفك الواقي من المطر المبلل عند مدخل المقهى .
كان قسم شجرة أنوش في مقهى كونستانتينوبوليس يضم سبعة رواد
Twitter: @ketab_n ۳۷
بالاخر شخضيا ولم يشعر أحدهم بالحاجة إلى ذلك. وكانوا جميعهم من مدن مختلفة» ولديهم مهن وحياة متباينة. وكان لكل واحد منهم اسم مستعار. وكان اسم آرمانوش هو «مدام روحي المنفية)» الذي اختارته تيمناً بزابيل يسيان» الروائية الوحيدة التي أدرج أعضاء حزب تركيا الفتاة اسمها في قائمة الإعدام في عام ۱۹٠١ . كانت زابيل التي ولدت في القسطنطينية شخصية رائعة» وعاشت معظم حياتها في المنفى . وكانت تتمتع بحياة صاخبة كروائية وكاتبة صخفية. وكانت ارمانوش تضع على طاولتها صورتها التي تنظر فيها زابيل من تحت حافة قبعتهاء نظرة كئيبة إلى بقعة مجهولة خارج إطار الصورة.
وكان لجميع رواد الغرفة أسماء مستعارة لأسباب لم يكن أحد يسأل عنها. وفي كل أسبوع» كانوا يختارون موضوعاً لمناقشته. ورغم أن المواضيع كانت تتفاوت كثيرا» فإنهم ينحون جميعهم للحديث عن تاريخهم وثقافتهم المشتركة - وتعني «المشتركة» غالبا «العدو المشترك): الأتراك. ولم يكن ثمة شيء يجمع هؤلاء الناس معاً بسرعة وقوة أكثر - إلا هذا العدو.
كان موضوع هذا الأسبوع «الإنکشاريون». وفیما راحت آرمانوش تستطلع بعينيها آخر الموجودين في المقهى» شعرت بالسعادة عندما رأت البارون باغداساريان هناك الذي لم تكن تعرف الكثير عنه» سوى أنه حفيد أحد الناجين» مثلها تمامأ» وملىء بالغضب» على عكسها. وقد کرو ااا فاا رسا الك رخال الأشهر القليلة الماضية» ورغم مراوغة فضاء الإنترنت» أو ربما بفضله» بدأت آرمانوش تشعر بالميل نحوه دون أن تعلم . فلم يكتمل يومها إذا لم تقرأ رسائله. ومهما كان ذلك الشيء الذي تشعر به نحوه - صداقة» ام ولع م مجرد فضول ۔ كانت آرمانوش ردان کان عورا ادل
إن الذين يعتقدون بأن الحكم العثماني كان حكماً صالحاً لا يعرفون
Twitter: @ketab_n 1۲۸
شيئاً عن ظاهرة الإنكشارية . فقد كان الإنكشاريون أطفالاً مسيحيين يتم لظاهرة الإنكشارية علاقة بجميع الأقليات اليوم كما كانت في الأمس. أنتم أطفال المنفيين! يجب أن تسألوا أنفسكم هذا السؤال القديم المتكرر: ماهو موقفكم إزاء هذه الظاهرة المتناقضة؛ هل ستقبلون دوركم الإنكشاري؟ هل ستتخلون عن مجتمعكم لإقامة سلام مع الأتراك وتدعونهم يبيّضون صفحة الماضي لكي» كما يقولون» نستطيع أن نمضي قدماً؟
كان وجه آرمانوش ملتصقَاً بالشاشة» وهي تقضم ما تبقى من التفاحة بعصبية . لم تشعر من قبل بمثل هذا الإعجاب تجاه أي رجل - غير أبيهاء طبغا إل أن ذلك كان شيعا مختلفاً. كان ثمة شىء فى البارون باغداساریان يسحرها ویخیفها في وقت واحد. ولم تکن تخشی منه أو من الأشياء التي كان يذعيها بجرأة - بل كانت تخشى من نفسها. فقد كان لكلماته تأثير قوي» تستطيع أن تخرج آرمانوش الأخرى القابعة في داخلها أن البارون باغداساريان أثار بطريقة ما ذاك المخلوق برمح كلماته» وظل يحتّها وينخزها إلى أن أفاقت بهديرء وبرزت إلى الضوء.
كان عقل آرمانوش لا يزال يفكر بهذه النتيجة المخيفة» عندما لمحت رسالة طويلة أرسلتها السيدة طاووس/ سيرامارك - وهي أمريكية من أصل أرمني» تعمل في مصنع للنبيذ في كاليفورنيا كخبيرة في النبيذ. وهي تسافر كثيراً إلى يريفان» وكانت تُعرف بمقارناتها المسلية الذكية بين أمريكا وأرمينيا. فقد أرسلت اليوم اختباراً ذاتياً لقياس درجة اكم أنت أرمني».
١ إن كنت نشأت وأنت تنام تحت بطانيات محاكة باليد» أو أنك كنت ترتدي بلوزات محاكة باليد وتذهب بها إلى المدرسة.
Twitter: @ketab_n ۳۹
۲ إن كان يقدم لك كتاب أبجدية أرمني كهدية في كل عيد ميلاد حتى بلغت السادسة أو السابعة. من عمرك.
۳ إن كانت توجد صورة جبل أرارات معلقة فى بيتك» أو فى
٤ - إن كنت معتاداً على أن تحب ونّدلل بالأرمنية» وأن تُوبخ وتّعاقب بالإنكليزية» وتنبذ بالتركية .
ه إن كنت تقدم لضيوفك حمَص مع رقائق ناتشو وغموس الباذنجان مع كعك الرز.
١ إن كنت تعرف جيداً طعم المانتي ورائحة السودزوك ولعنة الها تستطيع أن تحافظ على رزانتك عندما يكون هناك شىء يدعو للقلق أو الاضطراب حقا:
٩ إن كان عندك مرطبان من ماركة نوتيلا في ثلاجتك ولوحة تافيا في
۱۰ إن كان لديك بساط عزيز عليك ممدود فى غرفة جلوسك .
-١ إن كنت تحزن عندما ترقص على أنغام «لوركي لوركي»» حتى لو كان اللحن راقصاً ولا تفهم معنى كلمات الأغنية .
١ _ إن كان اللقاء لتناول الفاكهة بعد كل وجبة عشاء عادة متأصلة تماما في بيتك» وإن كان أبوك لا يزال يقشّر لك البرتقالء مهما بلغت من الشمر:
14۰
Twitter: @ketab_n
۳ _ إن كان أقاربك لا يزالون يحشرون الطعام في فمك» ولا يقبلون عبارة «لقد شبعت» كرد.
٤ - إن كان صوت الناي «دودوك؛ يبعث القشعريرة في أسفل ظهرك ولا يمكنك إلا أن تتساءل كيف يمكن لناي مصنوع من غصن شجرة مشمش أن يبكي المرء بحزن شديد.
٠٥ _ إن كنت تشعر فى أعماقك أنه يوجد دائماً شىء عن ماضيك أكثر ا ی ا ا ۰
بعد أن وضعت «نعم» على كل سؤال من هذه الأسئلة» انتقلت آرمانوش إلى أسفل الصفحة لترى النتيجة :
صفر - ۳ نقاط : آسف يا صديقي» لا بد أنك دخيل .
٤ - ۸ نقاط : يبدو أنك تشبه الدخيل في داخلك. وثمة احتمال بأنك متزؤج من أرمنية.
١١ ۹ نقطة: تكاد تكون أرمناً.
٠١ نقطة: لا يوجد شك إنك أرمني فخور.
ابتسمت آرمانوش أمام الشاشة. وأدركت في تلك اللحظة ما كانت تعرفه» وكأن باباً سرياً قد فتح في أعماق دماغهاء وقبل أن يتمكن عقلها من استيعاب الأفكار المتدفقة إليه» أحست بموجة من تأمل الذات. لا بد أن تذهب إلى هناك. هذا ما تحتاج إليه بقوة: القيام برحلة.
وبسبب طفولتها المتشتتة» لم تكن قادرة على أن تجد إحساساً بالاستمرارية والهوية. كان عليها أن تسافر إلى ماضيها كي تتمكن من البدء فی أن تيش اها وفيا بور ها هنا الإيغات جلها ذلك تكب رسالة أيضاً؛ إلى الجميم» على ما بيدى» باستكاء البارون باغداساريان:
إن ظاهرة الإإنكشارية ممزقة بين حالتين متناقضتين من الوجود. فمن ناحية» تتراكم بقايا الماضي - رحم من الرقة والأسى» شعور بالظلم
Twitter: @ketab_n
والتمييز. ومن الناحية الأخرى» يضيء المستقبل الموعود - ملاذ مزدان بزركشات وبهارج النجاحء شعور بالأمان كأنك لم تشعر به من قبل» الشعور بالراحة والانضمام إلى الأغلبية» لكي يعتبرك الآخرون طبيعياً في نهاية الأمر.
ما اة رو ا يسعدنى أنك عدت. من الجميل أن تمتخ إلىالتافر ك ۰
كان هذا البارون باغداساريان. لم تتمالك آرمانوش نفسها فعادت وقرأت الجزء الأخير بصوت عال: من الجميل أن نستمع إلى الشاعرة فيك . فقدت سلسلة أفكارها لوهلة.
أظن آنني أستطيع أن أكون على علاقة بظاهرة الإنكشارية. لأنني الابنة الوحيدة لأبوين مطلقين من خلفيتين ثقافيتين مختلفتين .
توقفت وأحست بالانزعاج لأنها كشفت قصتها الشخصية» إلا أن حافز الاستمرار كان قريا جداً,
بما أنني الابنة الوحيدة لأب أرمني» الذي هو نفسه ابن أحد الناجين»› ولام من إليزابيشتاون في كنتاكي» فإنني أعرف كيف يمكن للمرء أن يشعر بأنه ممزق بين جانبين متناقضين» لا أستطيع أن أنتمي تماماً إلى أي مكانء إنني أتذبذب باستمرار بين حالتين من الوجود.
حتى هذا اليوم» لم تكن قد كتبت شيئاً شخصياً ومباشراً جداً لأي شخص فى المجموعة. بدأ قلبها يخفق بقوةء وأخذت قليلا من الراحة. ماذا 9 البارون باغداساريان عنها الآن» وهل سيكتب أفكاره الحقيقية؟
لا بد أن هذا أمر صعب . فبالنسبة لمعظم الأرمن في الشتات» تعتبر هاي دات المرساة النفسية الوحيدة الموجودة لدينا لكى نحتفظ بهوية. إن حالتك مختلفة» لكننا فى النهاية جميعنا أمريكيون ا هذه التعددية وال و
Twitter: @ketab_n €۲
كتبت «التعايش _ البائس!» وهي ربّة بيت غير سعيدة» زوجة رئيس تحرير مجلة أدبية معروفة في منطقة الخليج .
إن التعدد يعني أن يكون المرء أكثر من واحد. لكن لم يكن هذا هو الحال بالنسبة لي. فلم يكن بإمكاني أن أصبح أرمنية في المقام الأول» كتبت آرمانوش. مدركة أنها على وشك أن تعترف. يجب أن أجد هويتي . أتعرفون بماذا كنت أفكر في سري؟ أن أقوم بزيارة بيت عائلتي في تركيا. إن جذتي لا تكفٌ عن التحدث عن هذا البيت الرائع في إستانبول. سأذهب وأراه بأم عينيّ . e وكذلك إلى مستقبلي . إن ظاهرة الإنكشارية ستستحوذ على إن لم أفعل شيئاً لأكتشف ماضيّ .
انتظري» انتظري» انتظري» كتبت السيدة طاووس/ سيرامارك مذعورة. بحق السماء» هل فكرت بما ستفعلينه؟ هل تزمعين الذهاب إلى تركيا وحدك» هل استشرت أحاسيسك؟
يمكنني أن أجد لك بعض الصلات . إنه ليس بالأمر الصعب. وكيف يكون ذلك يا سيدة روحي المنفية؟ أصرّت السيدة طاووس/ سيرامارك. إلى أي مدى يمكنك أن تذهبي وذلك الاسم مكتوب على جواز سفرك؟
لماذا لا تذهبين بدلا من ذلك إلى مديرية الشرطة مباشرة فى إستانبول رفلس ك اطا دل عل اة ما لارا ور طا في السنة الأخيرة في قسم دراسات الشرق الأدنى في جامعة كولومبيا.
أحست آرمانوش آنه قد يكون هذا هو الوقت المناسب لأن تعترف بحقيقة أساسية أخرى في حياتها. إن إيجاد الصلة الصحيحة قد لا يكون على هذه الدرجة من الصعوبة بما أن أمّي متزوّجة الآن من رجل تركي .
ساد صمت قلق . ولدقيقة كاملة لم يكتب أحد شيئاء لذلك تابعت آرغانوشی:
Twitter: @ketab_n €۳
اسمه مصطفى» وهو جيولوجي يعمل في شركة في أريزونا. إنه رجل لطيف» لكنه لا يبدي اهتماماً بالتاريخ منذ وصوله إلى أمريكاء أي منذ حوالى عشرين سنة» ولم يزر وطنه آبداً منذ ذلك الحين. حتى أنه لم يدعو عائلته إلى حفل زفافه. ثمة شىء مريب» لكنى لا أعرف ماهو. إنه لا یتحدّث عنه أبداً. کی اعرف آذ اذیا کے فے اسانیوں: سالته ذات مرة كيف يبدو ا الناس فقال: أوهء إنهم ا أناس عاديين› مثلك ومثلي .
إنه لا يبدو وكأنه أكثر الرجال حساسية على وجه الأرض - هذاء طبعاً» إذا كان من الممكن أن يكون لدى الرجال أية ا قاطعتها «ابنة سافو؟» وهي سحاقية تعمل ساقية في حانة رة تعزف موسيقى الريغي في بروکلن .
من المؤكد لا توجد لديه مشاعر»ء أضافت «التعايش - البائس»» هل لدیه قلب؟
عنده قلب . وهو يحب أمَّي» وآمّي تحبّه» أجابت آرمانوش» وأدرکت لأول مرة أنها اعترفت بالحبً بين أمَها وزوج أمّهاء وكأنها تراهما من خلال عيني شخص غريب . على أي حال» يمكنني أن أمکث مع عائلته ؛ ففي جميع الأحوال أنا ابنة زوجته» وأظن أنهم سيقبلونني كضيفة . إنه لغز لي كيف سيستقبلني أناس أتراك عاديون. عائلة تركية حقيقية» ليست و من أولئك الأكاديميين المتأمركين .
عما ستتحذثين مع أتراك عاديين؟ سألت السيدة طاووس / سيرامارك . انظري» حتى المتعلمين جيداً فهم إما وطنيون أو جاهلون. هل تظنين أن أناساً عاديين سيهتمّون بقبول الحقائق التاريخية؟ هل تظنين أنهم سيقولون: أوه نعم» نحن ¿ آسفون» فقد ذبحناكم وهجرناكم ثم ننكر ذلك عن قناعة . لماذا تریدين أن تضعي نفسك في ورطة؟
Twitter: @ketab_n 1٤
أفهم ذلك . لكن يجب أن تحاولي أن تفهمي أيضاً. أحست آرمانوش بدفق مفاجئ من الشعور بالقنوط . إذ إن الإفضاء بسر تلو الآخر» جعلها تشعر بأنها وحيدة في هذا العالم الهائل - شيء كانت تعرفه دائماً لكنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتواجهه. لقد ولدتم جميعكم في مجتمع أرمني ولا يتعين على أحد منكم أن يثبت انتماءه له. أما أنا فقد علقت في هذه العتبة منذ اليوم الذي ولدت فيه وآنا أتقلب باستمرار بين عائلة أرمنية فخورة لكنها مجروحة نفسياً وبين أمٌ تعادي الأرمن بطريقة هستيرية . ولكي أستطيع أن أصبح أمريكية أرمنية مثلكم» يجب أن أجد أرمنيتي أولا. وإذا كان ذلك يحتاج إلى القيام برحلة إلى الماضي» فليكن» فإني سأقوم بهاء مهما قال أو فعل الأتراك.
لكن هل سيدعك أبوك وعائلته تذهبين إلى تركيا؟ كان هذا «أليكس الرواقي»» وهو شخص أمريكي يوناني من بوسطن» يشعر بالرضا تجاه الحياة ما دام یحیط به طقس مشمس › وطعام لذيذه ونساء جميلات . وبما أنه أحد أتباع زينو الأوفياء» كان يؤمن بأن الناس يجب أن يبذلوا ما بوسعهم لكي لا يتجاوزوا حدودهم وأن یکونوا راضين بما لديهم . أ تظنين أن عائلتك فى سان فرانسيسكو ستكون قلقة عليك؟
قلقة؟ کشرت آرمانوش عندما تصوّرت وجوه عماتها وجدتها. فقد كانت تعرف أنهم سيقلقون عليها حتى الموت.
يجب ألا يعرفوا شيئاً عن هذاء من أجلهم. لقد اقتربت عطلة الربيع ويمكنني أن أمضي الأيام العشرة كلها في إستانبول. سيظن أبي أنني في أريزونا مع ايء وستظن أي آنني لا آزال هنا في سان فرانسيسكو . إذ إن أحدهما لا يكلم الأخر. وزوج آمَّي لا يكلم أفراد عائلته في إستانبول. لذلك لا يمكن كشف هذا الأمر بأي شكل. سيظل الأمر سرَاً. راحت
Twitter: @ketab_n 4
آرمانوش تحدَق في الشاشة» وكأنها شعرت بالاضطراب من الكلام الذي طبعته. فإذا واصلت الاتصال بأمَي كل يوم» وبأبي كل يومين أو ثلاثة أيام» يمكنني أن أتحكم بالأمر.
خطة جيدة! عندما تصلين إلى إستانبول» اقترحت السيدة طاووس / سيرامارك» يمكنك أن ترسلي تقارير إلى المقهى كل يوم.
رائع» ستكونين مراسلتنا الحربية» قال المناهض للخافورما بحماس» وتبعت ذلك فترة صمت طويلة لم يشاركها فيها أحد هذه الدعابة .
مالت آرمانوش إلى الوراء في كرسيها. ففي هدأة الليلء استطاعت أن تسمع صوت تنمس أبيها الهادئ» وصوت تقلب جدتها في سريرها. شعرت أن جسدها ينزلق إلى جانب» وكأن جزءاً من جلوسها على هذا الكرسي طوال الليل جعلها تتذوق طعم الأرق» فيما كان جزء منها يريد أن تأوي إلى الفراش وتغط في النوم. مضغت القطعة الأخيرة من تفاحتهاء وأحست بدفقة من الأدرينالين تسري في جسدها بسبب قرارها الخطير.
أطفأت آرمانوش مصباح المنضدة» وتركت ضوءاً خفيفاً يش من شاشة الكمبيوتر. وعندما أوشكت على مغادرة مقهى كونستانتينوبوليس»› ظهر سطر على الشاشة.
حيثما قادتك رحلتك الداخلية» نرجو أن تعتني بنفسك يا سيدة روحي المنفية العزيزة» رلا تاع الراك يمارك بشگل سی ۰
کان هذا البارون باغداساریان.
Twitter: @ketab_n 1
۷
e
قمح
رغم مضي أكثر من ساعتين على استيقاظهاء ظلت آسيا قازانجي مستلقية في سريرها تحت لحاف ريش الإوز» تستمع إلى الأصوات التي لا تعد ولا تحصى والتي لا يمكن أن تصدرها أي مدينة أخرى إلا إستانبول» فيما أخذت تصيغ في مخيلتها بياناً شخصياً عن العدمية .
المادة الأولى: إذا لم تتمكني من إيجاد سبب كي تحبّي الحياة التي تعيشينهاء فلا تنظاهري بأنك ثحبّين الحياة التي تعيشينها.
أمعنت التفكير في هذه العبارة وأعجبتها إلى حد أنها قررت أن تجعلها ا اا اا بدأت تدوّن المادة الثانية» حتى ضغط سائق في الشارع مكابح سيارته بقوة شديدة. وسرعان ما سمع صوته وهو يشتم ويزعق بأعلى صوته على أحد المارة الذي كان يجتاز تقاطع طريق مع أن ضوء إشارة المرور كان أحمر. أخذ السائق يصيح ويصرخ حتى بُح صوته في وسط ضوضاء المدينة وجلبتها.
المادة الثانية : إن الأغلبية الساحقة من الناس لا يفكرون مطلقاًء والذين يفكرون لا يصبحون الأغلبية الساحقة أبداً. فاختاري في آي فثة تريدين أن تکوني .
Twitter: @ketab_n 1۷
المادة الثالثة : إذا لم يكن بوسعك أن تختاري» فكوني موجودة فقط؛ کوني فطراً أو نباتاً.
«لا يمكنني أن أصدق عينيّ أنك لا تزالين في مكانك كما وجدتك منذ نصف ساعة! هياء ماذا تفعلين فى السرير» أيتها البنت الكسولة؟».
كانت تلك الخالة